يقال إن الْمُرَاد السؤال عن حَقيقَة السحر كأن حقيقته مجهولة يعرفها ما جاء به سحرة
فرعون. والْمَعْنَى أن من أراد تصور السحر ومعرفة كنهه فعليه بما جاء الساحرون فإنه لا
حَقيقَة له وراء ذلك. نظيره قولهم: وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر كأن حَقيقَة
الجمال مجهولة تصف وجهها وتعرفها. وهذا من بديع الْكَلَام في إفادة المرام. وهذا الوجه
أبلغ من اعتبار القصر فإن فيه ادعاء الاتحاد وتخيل أن السحر هُوَ ما جاءوا به لا ماهية له
وراءه، وبهذا البيان اندفع ما يتوهم من أن السؤال أن ما جاءوا به سحر أم لا ولا مساق
للسؤال عن السحر ما جاءوا به أم لا. ولولا الاحتمال الثاني لكان تركه أولى(ويجوز أن
ينتصب ما بفعل يفسره ما بعده تقدبره أي شاء أتيتم).
قوله: (سيمحقه أو سيظهر بطلانه) الباطل يستعمل في مَعْنَيَيْن الفاسد والفاني الهالك
وضد الأول الحق وضد الثاني الثابت كقوله لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
أي فإن هالك والسحر أَيْضًا يستعمل في مَعْنَيَيْن الأول ما ظهر للعيون مثل ما
روي: أن سحرة فرعون ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا كأنها حيات ملأت الوادي
وركب بعضها بعضًا. والْمَعْنَى الآخر نفس عمل ذلك الْمَذْكُور فإن كان الْمُرَاد الثاني
فإبطاله بالْمَعْنَى الثاني، وإن كان الأول فإبطاله بالْمَعْنَى الأول وقد أبطله الله تَعَالَى وأفناه
حيث لقفت عصى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ما صنعوا فلم يبق لها آثار، والأمر اسم في أعين
الناظرين والْحَمْدُ للَّه رب الْعَالَمينَ.
قوله: (لا يثبته) أي عمل المفسدين ناظر إلَى التَّفْسير الأول للإبطال قوله (ولا يقويه)
ناظر إلَى التَّفْسير الثاني له فإن قوله: (إنَّ اللَّهَ لا يصلح) كالتعليل لما قبله
وإشَارَة إلَى أن عملهم من قبيل عمل المفسدين وكل عمل هذا شأنه فلا يثبته تَعَالَى ولا
يقويه بل يزيله ويفنيه أو يظهر بطلانه، وعدم الإصلاح وإن لم يستلزم الإفساد لكن بمعونة
المقابلة حمل عليه.
قوله: (وفيه دليل عَلَى أن السحر) أي نوع منه (إفساد وتمويه) وذلك النوع ما هُوَ تخيل
باطل قال تَعَالَى (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) أي
يتوهم أنها تسعى والحال أنها لا تسعى حَقيقَة ومثل هذا تخيل محض (لا حَقيقَة له) وأما بعض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو يظهر بطلانه فهو من قبيل قوله:
إذا ما انتسبنا لم تلدني [لئيمة]
أي إذا تكلمنا بالأنساب يظهر أني لم تلدني [لئيمة] بل يظهر أني ولد كريمة.
قوله: وفيه دليل عَلَى أن السحر إفساد وتمويه لا حَقيقَة له. وجه الدلالة مُسْتَفَاد معنى لا
يصلح بمعنى لا يثبت عَلَى ما فسره به. قوله عَلَى ما هُوَ المعتاد في ضمير العظماء. فيه نظر لأن
المعتاد في الجمع إنما هُوَ في ضمير التَّكَلُّم لا في غيره.