قوله: (وكان مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يصلي إليها) أي أول الأمر وإلا فلا يوافق ما مَرَّ في
سورة البقرة في تفسير قوله (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) من أن الْيَهُود تستقبل الصخرة
والنصارى مطلع الشمس والتوجيه بأنه يجوز أن تكون قبلة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الكعبة وقبلة
قومه الصخرة بعيد جدًا، لكن نقل عن العلائي رحمه الله من أن جميع الْأَنْبيَاء عليهم السلام
كانت قبلتهم الكعبة انتهى. ولئن صح ذلك لاتضح ما قاله الْمُصَنّف قيل وجعل البيوت قبلة
ينافيه ما في الْحَديث:"جعلت لي الْأَرْض مسجدًا وطهورًا"من أن الأمم السالفة كانوا لا
يصلون إلا في كنائسهم. وأُجيب عن هذا بأنهم لم يضطروا فإذا لم يضطروا جازت لهم الصلاة
في بيوتهم كما رخص لنا صلاة الخوف فإن فرعون حارب مساجدهم ومنعهم عن الصلاة
فأوحى الله إليهم أن صلوا في بيوتكم كما رواه ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - انتهى. قول
الْمُصَنّف فيما سيأتي أُمرُوا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة الخ. ظاهره أن ذلك
مشروع لهم ثم نسخ. فما في الْحَديث بناء عَلَى ما تقرر في شرعهم فأين المنافاة حتى يحتاج
إلى التوفيق، ولا تعرض في كلام الْمُصَنّف منع فرعون عن الصلاة وليس بصحيح ؛ إذ إيمانهم
(عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ) كما نطق به النظم الجليل وهو لم يطلع عَلَى إيمانهم وصلاتهم حتى
منعهم (فيها أُمرُوا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم) .
قوله: (ويفتنوهم عن دينهم) وقد دعوا بقولهم: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
وقد أجيبت دعوتهم وشرع لهم أن يصلوا في بيوتهم وما فهم من مجموع هذا
الْكَلَام أن الوجه الثاني لقَوْله تَعَالَى: (أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) الآية.
الأحسن تركه ؛ إذ بناء المساجد يكون بعد ظهور الأمر والإعلان لا في حال الكتمان، وقد اعترف
الْمُصَنّف بأن هذا في حال الإخفاء والإسرار لا في حال الإظهار .
قوله: (بالنصرة في الدُّنْيَا والجنة في العقبى) أَشَارَ إلَى أن حذف المبشر به للتعميم
وإن كان التبشير بالنسبة إلَى العقبى شائعًا ذائعًا لكن الْمُنَاسب هنا التعميم لدعائهم بالإنجاء
من القوم الظَّالمينَ .
قوله: (وإنما ثني الضَّمير أولًا) جواب سؤال مقدر بأنه لم اختلف الضمائر تثنية
وجمعًا وإفرادًا مع أن الظَّاهر الاتحاد والاتفاق .
قوله: (لأن [التبوأ] للقوم) لأنهم أحوج إليه، وأما مُوسَى وهارون عليهما السلام فلا
حاجة إلَى التبوأ لئلا يظهر عليهما الكفرة فإنهما عليهما السلام يظهر أن شعائر الدين
والأحكام في كل حين ولا خوف لهما من فرعون اللعين والتبوأ خفية للقوم الْمُؤْمنينَ فلا
إشكال بأن التبوأ لا يَخْتَصُّ بالقوم، أَلَا [تَرَى] أن قَوْلُه تَعَالَى: (واجعلوا بيوتكم قبلة)
الآية. عام لهما فالتبوأ [يعمهما] .
قوله: (واتخاذ المعابد) يحتمل المَعْنَيَيْن ولذا لم يقل واتخاذ المساجد .
قوله: (مما يتعاطاه) أي مما يباشره (رءوس القوم بتشاور ثم جمع) فلذا أمر مُوسَى