بهم المعتزلة وعلماء ما وراء النهر قَالُوا إن المجوس أسعد حالًا منهم لأنهم أثبتوا شركاء لا
تحصى فظهر ضعف قولهم. إن من يقول بالقدر أحق بأن ينسب إليه من نافيه وغفلوا عن
إشارة الخبر الشريف فإن التشبيه بالمجوس في الخالقية (بما لم يشأ الله منهم) .
قوله: (وترتيب الإكراه عَلَى المشيئة بالفاء) أَشَارَ إلَى أن الفاء متقدمة عَلَى الهمزة في
الْمَعْنَى لأن هذه الْجُمْلَة متفرعة عَلَى ما قبلها وليس القصد إلَى إنكار تفرعها ولو كانت
الهمزة متقدمة معنى لأفاد ذلك لكن الهمزة لما اقتضت الصدارة قدمت عَلَى الفاء لفظًا.
قوله: ( [وإيلاؤها] حرف الاستفهام) عطف عَلَى ترتيب وهو مصدر مضاف إلَى الْفَاعل
وقيل مصدر مضاف إلَى الْمَفْعُول وفاعله حرف الاسْتفْهَام لا العكس لعدم دخول هذا
الإيلاء في الاستحالة الْمَذْكُورة ولا وجه له [إذا] ولي الفاء الهمزة أي ذكرت بعدها لا العكس
إلا أن يعتبر الْمَعْنَى لا المبنى فحِينَئِذٍ له وجه.
قوله: (للإنكار) أي لإنكار صدور الْفعْل من المخاطب لا إنكار كونه هُوَ الْفَاعل مع
تقرر أصل الْفعْل كما في قَوْله تَعَالَى: (أهم يقسمون رحمة ربك) الآية.
فإن المنكر أن يكُونُوا هم القاسمين لا نفس القسمة وهنا لا يلائم ذلك؛ إذ النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
لم يعتقد اشتراكه في ذلك ولا انفراده فتقديم الضَّمير من قبيل تقوية الحكم للإنكار كما
ذهب إليه صاحب المفتاح وهو الظَّاهر من كلام الْمُصَنّف، وأما صاحب الكَشَّاف فجعل
التقديم من قبيل التَّخْصِيص نظرًا إلَى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ لفرط شغفه بإيمانهم وتبالغ حرصه
على ذلك كأنه يعتقد قدرته عَلَى ذلك وكلام الْمُصَنّف يحتمله أَيْضًا لكنه تكلف.
قوله: (وتقديم الضَّمير عَلَى الْفعْل) أي تقديم المبتدأ عَلَى الخبر الفعلي أو تقديم
الْفَاعل المعنوي عَلَى الْفعْل.
قوله: (للدلالة) هذا خبر لقوله وترتيب الإكراه الخ.
قوله: (عَلَى أن خلاف المشيئة مستحيل) وخلاف المشيئة هنا إيمان من لم يتعلق
مشيئة بإيمانه بل تعلق إرادة بعدم الإيمان ولو وقع إيمانه لزم وقوع خلافها وهذا مستحيل
وهذا توجيه كلامه، والظَّاهر أن يقال: للدلالة عَلَى أن وقوع ما لم يشأ الله تَعَالَى مستحيل وهو
الأوفق لقوله في تفسير (أفأنت تكره النَّاس) بما لم يشأ الله تَعَالَى منهم. قوله مستحيل أي
بالغير فلا ينافي التكليف وقد مَرَّ التَّفْصيل قيل ومراده بتقديم الضَّمير ما ذهب إليه السكاكي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وترتيب الإكراه عَلَى المشيئة وإيلاء حرف الاسْتفْهَام للإنكار وتقديم الضَّمير عَلَى
الْفعْل للدلالة عَلَى أن خلاف المشيئة [مستحيل] . يعني هذا الْمَعْنَى مُسْتَفَاد من طريق القصر المفيد
للتَّخْصِيص فإن إنكار تَخْصيص الإكراه عَلَى الإيمان بالرَّسُول عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بعد بيان انتفاء
المشيئة بإيمانهم يدل عَلَى أن خلاف مشيئة الله محال. فقوله فلا يمكنه تَحْصيله بالإكراه عليه هُوَ
مفهوم النفي المدلول عليه بالاسْتفْهَام الإنكاري وبطَريق القصر فإن للقصر حكمين. حكم الإيجاب
وحكم النفي فإن معنى قولك: أنا سعيت في حاجتك. أنا سعيت في حاجتك لا غيري.