فهرس الكتاب

الصفحة 4888 من 10841

من الإفعال واستشكل ابن جني بأنه لا يقال اثنيته بمعنى ثنيته ولم يسمع في غير هذه القراءة

قد يجيء أفعل بمعنى فعل مثل أحب بمعنى حب وأحزن بمعنى حزن وأقلت البيع وقلته

فليكن هذا أَيْضًا من هذا القبيل، إلا أن يقال إنه أراد بأن لفظة اثنى بمعنى ثنى لم يسمع من

الفصيح في غير هذه القراءة وكون أفعل بمعنى الثلاثي سماعي لا قياسي.

قوله: (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ من الله بسرهم فلا يطلع رسوله والْمُؤْمنينَ عليه) ذكروا في متعلق

اللام وَجْهَيْن. الأول: أنه متعلق بـ يثنون واختاره جماعة من الْمُفَسّرينَ لكن هذا يلائم كون معنى

يثنون يعطفونها عَلَى الكفر وعداوة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأما كون معنى يثنون يثنونها عن الحق

وينحرفون عنه فلا يظهر مناسبة وكذا باقي الاحتمال. قوله من الله بسرهم لجهلهم بما لا يجوز

على اللَّه تَعَالَى، ولو جعل مرجع الضَّمير الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يبعد. والوجه الثاني في

ليستخفوا أنه متعلق بمَحْذُوف أي ويُريدُونَ ثني صدورهم ليستخفوا. لكن الْمُصَنّف اختار

الأول لعدم الاحتياج إلَى التقدير لصحة تعلقه بالْمَذْكُور. قيل إنه عَلَى المَعْنَيَيْن الأولين لـ يثنون

ظَاهر فإن انحرافهم عن الحق بقلوبهم، وعطف صدورهم عَلَى الكفر وعداوة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ

وعدم إظهار ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من الله تَعَالَى لجهلهم بما لا يجوز عَلَى الله

تَعَالَى، وأما عَلَى الْمَعْنَى الثالث فالظَّاهر أنه لا بد من التقدير إلا أن يعاد ضمير منه إلَى الرَّسُول

عَلَيْهِ السَّلَامُ انتهى. والظَّاهر أنه عَلَى الْمَعْنَى الأول لا بد من التقدير أَيْضًا؛ لأن انحرافهم عن

الحق بقلوبهم بأمارات تدل عليه كما هُوَ الْمُتَبَادَر من مقابلة الْمَعْنَى الثاني؛ إذ لا فرق حِينَئِذٍ

بَيْنَهُمَا بحسب المآل فالظَّاهر أن الْمُصَنّف أَشَارَ إلَى رجحان الْمَعْنَى الثاني ونحوه فذكر ما هُوَ

الملائم له ولم يتعرض لوجه يقتضي تقدير الإرادة كما هُوَ عادة الْمُصَنّف من ذكر الْوُجُوه في

محل ثم لوح إلَى ما هُوَ الْمُخْتَار عنده واكتفى به وبما يناسبه.

قوله: (قيل إنها نزلت في طائفة من الْمُشْركينَ) قَالُوا إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا

وطوينا صدورنا عَلَى عداوة مُحَمَّد. قيل قال السيوطي [- رحمه الله -] الثابت في صحيح البخاري أنها

نزلت في ناس من الْمُسْلمينَ كانوا يستحيون أن يتخلوا أو يجامعوا فيفضوا بفروجهم إلَى

السماء، فعلى هذا ثن الصدور عَلَى ظاهره لا مجاز ولا كناية فهو أصح نقلًا مؤيد ببقائه عَلَى

حقيقته، وكون قيل لتمريضه لا فَائدَة فيه كالاعتذار بجواز تعدد سبب النزول كما ذهب إليه

بعضهم انتهى. وما اختاره الْمُصَنّف اختاره أبو حيان أَيْضًا حيث قال: الضَّمير في منه لله تَعَالَى

وسبب النزول يقتضي عوده للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ لأنها نزلت في بعض الْكُفَّار الَّذينَ إذا لقيهم

النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ تطامنوا وثنوا صدورهم إلَى أن قال وهم يظنون أن يخفى عَلَى النَّبيّ عليه

السلام فنزلت انتهى. وهذا هُوَ الملائم للسابق واللاحق. والله أعلم بالصواب والحق.

قوله: (كَيْفَ يعلم) فيه تنبيه عَلَى أن الضَّمير في منه للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ ولعل

إرجاع الضَّمير إليه تَعَالَى لأن الاستخفاء منه عَلَيْهِ السَّلَامُ كالاستخفاء منه تَعَالَى في الشناعة

ولمزيد التوبيخ والتقريع أرجع الضَّمير إليه تَعَالَى مع أن الْمُرَاد النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ومثل هذا

كثير شائع وبهذا اندفع إشكال أبي حيان والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت