بطارد الَّذينَ آمَنُوا) إلَى: فيفوزون بقربه. وقوله الآتي فإن ما أعد الله في
الْآخرَة الخ. [يأبى] عن هذا الاحتمال وبعد هذا الْكَلَام كَيْفَ يحمل قول المص عَلَى
إيمانهم نفاقًا لا اتفاقًا، وأما ثالثًا فلأن كون بادي الرأْي بمعنى بادي رأْي من يراهم لا
معنى له ؛ إذ إيمان الْمُنَافقينَ كما يكون إيمانًا في بادي رأي من يراهم يكون إيمانًا في
تعمق من يراهم لعدم علمه ما في الصدور ولو أراد معنى آخر فليبين حتى نتكلم معه.
نعم قوله حتى أعلم أن هَؤُلَاء اتبعوني يناسب هذا الاحتمال لكن ما ذكرناه من القرينة
القوية عَلَى خلافه يدفعه كما لا يخفى .
قوله: (وعلى الثاني يجوز عطفه عَلَى أقول) فكلمة (لا) في (لا أعلم) زائدة مؤكدة تنبيهًا
على أنه منفي عَلَى حدة. وجه جواز عطفه ظاهر، وأما عَلَى الأول فيجب عطفه عَلَى المقول
إذ التَّكْذيب استبعادًا شأن الْقَوْل وأشكل بعضهم بأن كلمة لا ينافي عطفه عَلَى المقول ؛ إذ
نفي النفي إثبات فيقتضي علمه بالْغَيْب فالوجه عطفه عَلَى (لا أقول) بتقدير. أقول بعد لا انتهى.
والْجَوَاب أن كلمة لا في أعلم زائدة لتأكيد النفي السابق وأصل الْكَلَام ولا أقول لكم عندي
خزائن الله وأعلم الغيب فزيد لا في أعلم تنبيهًا عَلَى استقلاله في النفي .
قوله: (حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا) هذا هُوَ الإشَارَة إلَى وجه آخر في تفسير
قَوْلُه تَعَالَى: (ما نراك إلا بشرًا مثلنا) وإلى الوَجْهَيْن أشار في الموضعين كما
هو عادته الشريفة وقد بينا هناك أن عدم ذكره هذا الوجه من قبيل الاكتفاء لا لعدم رضائه
كَيْفَ لا وقد صرح في سورة إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(قَالُوا إن أنتم إلا
بشر مثلنا)ولو شاء الله أن يبعث إلَى البشر رسلًا لبعث من جنس أفضل
انتهى. هذا عَلَى زعم الكفرة المنكرين وحكاية عنهم فلا يشم منه رائحة الاعتزال كما جنح
إليه أكثر المحشيين والله خير الفاتحين .
قوله: (ولا أقول في شأن من استرذلتموهم) إشَارَة إلَى أن اللام ليست للخطاب لهم
بل للأجل فالمعنى ولا أقول لكم لأجل الَّذينَ تزدري. وما ذكره المص حاصل معناه .
قوله: (لفقرهم) إشارة إلَى رجحان كون وجه استرذالهم الفقر .
قوله: (فإن ما أعد الله لهم في الْآخرَة خير مما آتاكم في الدُّنْيَا) فَكَيْفَ يسوغ لي أن
أقول لأجلهم (لن يؤتيهم الله خيرًا) وهم بتلك المثابة والقربة، ولما كان هذا مرادًا فيكون قوله
عَلَيْهِ السَّلَامُ من قبيل كلام المنصفين وإلا فحق الْقَوْل هكذا فلعلهم يفوزون بقربه والكرامة
بجوار قدسه .
قوله: (الله أعلم بما في أنفسهم) من الخصال الحميدة
والأخلاق المرضية ومعنى (الله أعلم بما في أنفسهم) من الإخلاص في
الإيمان أو النفاق في الإذعان لا يلائم مذاق المص يؤيد ذلك قوله الآتي دون تأمل
في معانيهم وكمالاتهم .
قوله: (إن قلت شيئاً من ذلك) توضيح معنى إذًا لأنها جواب وجزاء، والمراد من ذلك