فهرس الكتاب

الصفحة 4946 من 10841

والمراقبة بالأعين أبلغ عن الحفظ بالعين والعينين ولما لم يتصور الأعين هنا حملها عَلَى

التمثيل. توضيحه أن وقاية الله تَعَالَى صنعة الفلك عن الاختلال والزيغ والميل عن سنن

السداد والمُبَالَغَة في الحفظ لا يتطرق [إليه] اختلال بوجه من الْوُجُوه. شبه بحراسة الحراس

بإمعان العيون وكمال التيقظ في حفظ الشيء المحروس بحَيْثُ لا يظفر فاسده ولا يرام

طالبه لكمال يأسه عن تناوله لكثرة حراسه، فذكر اللَّفْظ الموضوع للمشبه به وأُريد به المشبه

وهذا لكونه أبلغ اختاره المص. ويمكن أن تكون العين كناية عن الحفظ وجمع الأعين

للمُبَالَغَة فيه أو مَجَاز مُرْسَل عن ذلك عَلَى تقدير اشتراط إمكان الْمَعْنَى الحقيقي في الكناية .

قوله: (إليك كَيْفَ تصنعها) عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - أنه لم يدر كَيْفَ

يصنعها فأوحى الله تَعَالَى إليه أن يصنعها مثل جوجؤ الطير أي صدره .

قوله: (ولا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم) فيهم أي في شأنهم

ولأجلهم سواء كان تلك المراجعة بالخطاب أو بغيره في شأن استدفاع العذاب .

قوله: (محكوم عليهم بالإغراق) أي مقضي عليهم بالإغراق، ولما كان اسم الْفَاعل

واسم الْمَفْعُول مستعملين فيما تحقق فيه وقوع الوصف حَقيقَة كما قيل. والمحقق في الحال

الحكم بالإغراق لا نفس الإغراق. قال رحمه الله محكوم عليهم الخ. فيكون مَجَازًا مرسلًا

بطَريق ذكر المسبب وإرادة السبب ولو قيل شبه الإغراق في المستقبل بالإغراق في الْمَاضي

في تحقق وقوعه كما قيل في نظائره لكان أحسن وأولى .

قوله: (فلا سبيل إلَى كفه) إشَارَة إلَى أن قوله: (إنهم مغرقون) .

تعليل للنهي ولذا صدر بلفظة أن المفيدة لتأكيد النسبة ولما لم يكن سبيل إلَى كفه وكان

بقاؤهم عَلَى الكفر لازمًا لاستحالة انقلاب خبر الله تَعَالَى كذبًا وعلمه تَعَالَى جهلًا كما

صرح به الإمام. كان صدور الإيمان منهم محالًا ومع ذلك أُمرُوا بالإيمان فيلزم وقوع

التكليف بالمحال والْجَوَاب أنه يمكن الإيمان منهم لكن يتعلق علمه تَعَالَى بعدمه وعدم

تعلق إرادته تَعَالَى بإيمانهم كان ممتنعًا، وجواز التكليف بمثل ذلك ووقوعه مما اتفق

عليه مشايخنا والتَّفْصيل في علم الْكَلَام فإن ادعى لزوم تكليف الجمع بين النقيضين بأن

يقال إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يُؤْمنُونَ ألبتة كما جنح إليه الإمام. فجوابه

أنه يجوز أن لا يخلق الله تَعَالَى العلم بالعلم فلا يلزم اجتماع النقيضين. نعم هُوَ خلاف

العادة كذا قال مَوْلَانَا الفاضل الخيالي في دفع إشكال تكليف أبي لهب بالإيمان ولا

يخفى عليك بما فيه والذي يحسم مادة الإشكال هنا أن قوم نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يؤمروا

بأن يؤمنوا لأنهم لا يُؤْمنُونَ ألبتة بإنزال الصحف والْكتَاب الناطق بعدم إيمانهم عَلَى

الإطلاق فمن أين يلزم اجتماع النقيضين حتى يحتاج إلَى الاعتذار بخلاف أبي لهب

ومن يحذو حذوه فإنهم أُمروا بالإيمان بالْقُرْآن مع أنه مذكور فيه أنهم لا يُؤْمنُونَ فلزم

ظاهرًا اجتماع النقيضين فاحتاج إلَى الْجَوَاب كبار المحققين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت