بـ نادى أراد نداءه؛ إذ الإرادة سبب النداء بدليل عطف قوله (فَقالَ رَبِّ) الآية.
إذ النداء يحصل بهذا الْقَوْل لكن في هذه الدلالة خفاء؛ إذ يجوز أن يكون تفصيلًا للإجمال
كَمَا صَرَّحَ به في فن الْمَعَاني. فالْمُرَاد بالنداء حقيقته قوله: (فَقالَ رَبِّ) الآية.
بيان كيفية النداء.
قوله: (فإنه النداء) أي النداء علة لقوله بدليل عطف قوله الخ. وقد عرفت ما فيه.
قوله: (وإن كل وعد) أي إضافة الوعد للاسْتغْرَاق أو للجنس فيفيد ما ذكره ولم
يحمل الْإضَافَة عَلَى العهد ليكون الْكَلَام من قبيل إيراد الحكم مع بينة أَشَارَ إلَى ذلك بقوله:
وقد وعدت أن تنجي أهلي. أي عمومًا وابني من جملتهم، وقد أنجزت الوعد في سائر أهلي
فما حاله أهو من جملة الناجين أو من زمرة المغرقين؟ هذا إذا كان قبل غرقه. فالسؤال عَلَى
حاله وفي بابه، أو فما باله لم ينج فأغرق؟ فالسؤال حِينَئِذٍ لاستعلام الْحكْمَة في عدم إنجائه
مع أن الوعد الْمَذْكُور يوجب خلاصه.
قوله: (تعده حق) اختار المستقبل ليفيد الاسْتمْرَار. فلو قال وإن كل وعد وعدته يخل
[بالمقصود] .
قوله: (لا يتطرق إليه الخلف) إشَارَة إلَى أن اللام يفيد الحصر؛ إذ الْكَلَام لعموم
السلب لا لسلب العموم، وإلى أن الْمُرَاد بالحق هنا ما ذكر. لكن الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لا يتطرق
إليه الخلف أصلًا بخلاف وعد الغير فإنه قد يتطرق إليه الخلف(وقد وعدت أن تنجي أهلي
فما حاله، أو فما له لم ينج).
قوله: (ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه) إذ الواو لا يقتضي الترتيب وهذا ما
ذهب إليه الزَّمَخْشَريّ حيث قال: وذكر المسألة دليل عَلَى أن النداء كان قبل غرقه حين [ناداه]
عن ركوب السفينة وخوفه عليه وظَاهر كلام المص أن الْمُخْتَار عنده كون هذا النداء بعد
غرقه فالترتيب الذكري حِينَئِذٍ في غاية الحسن ونهاية الطراوة، وأما جوازه أنه لم يعرف بغرقه
وأنه تَعَالَى يجوز أن ينجيه بسَبَب آخر لمقتضى وعده فضعيف.
قوله: (لأنك أعلمهم وأعدلهم) علة لكونه أحكم الحاكمين عَلَى ما فهم من الكَشَّاف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فما حاله أي فما حاله قد غرق وهلك أو فما حاله لم ينج من الهلاك. هذا التوجيه عَلَى
أن يكون نداؤه بعد الغرق. وأما قوله: ويجوز فإنه عَلَى تقدير أن نداء هذا قبل الغرق والهلاك ناداه
طلبًا لنجاته من الغرق.
قوله: لأنك أعلمهم وأعدلهم أو لأنك أكثر حكمة. يريد أن الزّيَادَة المُسْتَفَادة من صيغة التَّفْصيل
في أحكم يحتمل أن يراد بها الزّيَادَة في العلم والعدل عَلَى أن يكون أحكم من الْحكْمَة وهي العلم
المشفوع بالعمل ولذا ضم قوله ( [وأعدلهم] ) عَلَى أعلمهم نظرًا إلَى أن الْمُرَاد
بالْفعْل المشفوع بالعلم في أحكم هنا هُوَ العدل، ويحتمل أن يراد بها الزّيَادَة في الْحكْمَة فمعنى حاكم
ذو حكمة كدارع بمعنى ذو درع وتارس بمعنى ذو ترس ومعنى أحكم الزائد في الْحكْمَة والكثير