مباشر متبوع لكون ما عداه معينًا له كثير شائع زائغ تنبيهًا عَلَى أن الْقَوْل أو الْفعْل وإن صدر
عن البعض لكن البعض الآخر راضٍ له ومعاون عليه فإذا أسند إلَى القائل وحده فهم منه أن
ليس له ناصر في ذلك بل هُوَ متفرد فيما هنالك توفية بكل مقام ما يليق به من الْكَلَام.
قوله: (تكرير لبيان ما نجاهم عنه) أي هذا تكرير نجيناهم لبيان ما [نجاهم] عنه أي
العلة المصححة للتكرير بيان ما [نجاهم] عنه فاللام في لبيان علة له لا صلته، ولما كانت
العلة مصححة لا موجبة لا يرد عليه أن يقال ولو قيل نجينا هودًا والَّذينَ آمَنُوا معه
برحمة منا من عذاب غليظ لكفى وأوفى وتكرار الْفعْل للاهتمام بشأنه وأن التنجية
والنجاة مما يتنافس فيها المتنافسون ولذلك لم يتعرض لإهلاك عدوهم صريحًا بل
اكتفى بما يستفاد من التنجية ضمنًا هنا، وأما في سورة الأعراف فقد صرح إهلاكهم إثر
بيان نجاة الْمُؤْمنينَ وهنا تعرض لبيان عذابهم بقوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً)
الآية. وإن لم يتعرض له إثر بيان إنجاء الْمُؤْمنينَ وهذا مراد من قال صرح
بنجاة الْمُؤْمنينَ مع التعريض بعذاب الْكَافرينَ.
قوله: (وهو السموم كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم) السموم أي ريح
شديد الحر تنفذ في المسام. يشير إلَى سبب تأثير الريح في إهلاكهم وهو لكونه شديد الحر
وقد جوز الإمام كونه شدة بردها أو شدة قوتها فتخطف الحيوان من الْأَرْض ثم تضرب به
على الْأَرْض. والمص لم يرض الوجه الثاني، وأما الثالث فلا حرج في جمعه مع الأول. وقد
سخرها سبع ليالي وثمانية أيام حتى صاروا (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) .
قوله: (فتقطع أعضاءهم) لكمال حرها. وفيه إشَارَة إلَى وجه كونه غليظًا وهو الشدة
التامة حيث تنفذ [في المسام] .
قوله: (أو الْمُرَاد تنجيتهم من عذاب الْآخرَة أَيْضًا) فيكون الْمَعْنَى حِينَئِذٍ ونجيناهم
وحكمنا بنجاة الْمُؤْمنينَ من ذلك العذاب الغليظ كما نبه عليه الإمام. فلا إشكال بأن إنجاءهم
عنه ليس في وقت نزول العذاب في الدُّنْيَا ولا مسببًا عنه حتى يجاب بأنه عطف عَلَى المقيد
والقيد كما قيل في قَوْله تَعَالَى: (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) فإنه
تكلف بلا داع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تكرير لبيان ما نجاهم عنه. فعلى هذا يكون عطف (ونجيناهم) عَلَى
(نجينا هُودًا) من باب عطف التَّفْسير للإبهام في الأول أنه هل هُوَ عذاب غليظ
وعذاب خفيف فالعطف فيه كالعطف في قولك أعجبني زيد أكرمه. فالْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه
شيء واحد والفرق بالإبهام والتَّفْسير.
قوله: أو الْمُرَاد به تنجيتهم من عذاب الْآخرَة. عطف عَلَى تكرير أي أو لم يكن تكريرًا بل
الْمُرَاد به تنجيتهم من عذاب الْآخرَة، فعلى هذا يكون الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه متغايرين بالذات
ولذا أتى فيه بكلمة أَيْضًا دلالة عَلَى تغايرهما ذاتًا.