جحد فعدي بنفسه كما أن جحد أخرى مجرى كفر فعدي بالباء في جحدوا بها وهذا مذاق
المص وقد مَرَّ وجه آخر آنفًا. قوله أو كَفَرُوا نعمه فهو من كفران النعمة وهو متعد بنفسه لكنه
[ليس] بمناسب للمقام ولذا أخَّره مع عدم التَّكَلُّف فيه .
قوله: (دعاء عليكم بالهلاك) قد مَرَّ تحقيقه في قَوْله تَعَالَى:(وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ).
قوله:(والْمُرَاد به الدلالة عَلَى أنهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسَبَب ما حكي
عنهم)يعني أنهم كانوا مستوجبين مستحقين قبل أن يهلكوا لذلك الدعاء ؛ إذ لا معنى للدعاء
بالهلاك بعد الإهلاك وهذا ما فهم من كلام المص، ولك أن تقول: والْمُرَاد إظهار المقت التام
في حقهم لكونه لازمًا له لا حَقيقَة الدعاء أو الْمُرَاد هلاك الْآخرَة لا ما نزل عليه من هلاك
الدُّنْيَا واللام للبيان كما في سقيًا لك وهَيْتَ لَكَ، وأما كونه للاستحقاق فلا يحسن ؛ إذ الدعاء
بالاستحقاق إنما يكون قبل وقوع الهلاك وقد عرفت أنه مؤول .
قوله: (وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم تفظيعًا بأمرهم وحثًا عَلَى الاعتبار بحالهم) تعليل
لإعادة ذكرهم وقوله وحثًا تعليل لتكرير الألف ونشر مشوش .
قوله: (عطف بيان لـ عاد) ولا يبعد بدل الكل من الكل .
قوله: (وفائدته تمييزهم) أي تمييزهم مع قطع النظر عن بقية القصة فلا يرد أن هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أن يقال كَفَرُوا بربهم. والمصير إلَى حذف الجار والإيصال خلاف الظَّاهر فهذا عكس ما في قوله عز
وجل: (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم) فإن الجحود هناك مضمن معنى الكفر، ولذا
استعمل بالباء وإلا فالظَّاهر أن يقال وجحدوا آيات ربهم .
قوله: أي كَفَرُوا به. فحذف الجار معناه الأصل اسْتعْمَال الكفر [بالباء] لكن حذف الجار
لأجل التَّضْمين لمعنى الجحود وليس مراده أنه من باب الحذف والإيصال بدليل تفسير كَفَرُوا
بربهم بقوله جحدوه .
قوله: والْمُرَاد به الدلالة إلَى آخره يعني قوله عز وجل: (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ) .
مع قوله: (أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) وارد لبيان سبب اتباع اللعن بهم في الدنيا
والْآخرَة وهو جحودهم للحق كما أن قوله عز وجل:(وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا
رُسُلَهُ)جاء لبيان سبب لحوق العذاب الغليظ بهم .
قوله: وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية فإن العاد عادان العاد الأولى القديمة التي هي قوم هود
والقصة فيهم والعاد الأخرى إرم. قَالُوا فيه ضعف؛ لأنه لا لبس ولا خفاء في أن عادًا هذه ليست إلا
قوم هود لتصريح اسمه في القصة وتكريره فحيث لا التباس لا حاجة إلَى التمييز. قَالَ الإمام: المُبَالَغَة
فِي التَّنْصِيصِ تَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ. ذكر الزَّمَخْشَريّ لهذا البيان وهو بيان عاد بقوم هود وجهًا آخر
حيث قال: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسما، وتجعل فيهم أمرًا محققًا لا شبهة فيه بوجه من
الوجوه، وذلك أن قوله عز رجل: (وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ) إلَى قَوْله:(وَأُتْبِعُوا
فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ)بعد قوله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) .