وصف الْإنْسَان لا الوعد فإنه يقال كذب زيد عمرًا في مقاله فزيد كاذب وعمرو مكذوب فيه
فحاول دفعه بوجوه ثلاثة الأول بالحمل عَلَى الحذف والإيصال كمال مشترك وظرف مُسْتَقرّ
فلما حذف الجار صار المجرور مَفْعُولًا به عَلَى التوسع والْمَجَاز؛ إذ الضَّمير لا يجوز نصبه
على الظرفية والجار لا يعمل بعد حذفه فلا جرم أنه منصوب عَلَى الْمَفْعُولِيَّة عَلَى طريق
الْمَجَاز العقلي كما أن الضَّمير في مشترك نائب الْفَاعل مَجَازًا.
قوله: (كقوله) أي قول الشاعر.
قوله: (وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ سُلِيمَاً وَعَامِرًا) شهد من الشهود بمعنى الحضور لا من الشَّهَادَة
سليمًا مصغرًا وعامرًا أسماء قبيلتين مَفْعُولا شهدناه والضَّمير في الأصل ظرف أي شهدنا فيه
فحذف الجار وصار مَفْعُولًا به عَلَى التوسع.
قوله:(أو غير مكذوب على المجاز، وكأن الواعد قال له أفي بك فإن وفى به صدقه
وإلا كذبه)أي عَلَى الاسْتعَارَة المكنية أشار إليه المص بقوله كان الواعد الخ. توضيحه أن
الوعد شبه في العلم بشخص يخاطبه آخر وأثبت له ما هُوَ من روادف المشبه به وهو غير
مكذوب وهو تخييلية والتعرض لتشبيه الواعد حيث قال كان الواعد الخ. لتَحْصيل التشبيه
الْمَذْكُور. قوله أفي أصله [أوفي] متكلم وحده من وفي يفي. قوله صدقه بتخفيف الدال وكذا
كذبه بتخفيف الذال. والْمَعْنَى ذلك وعد مصدوق، ومجيء غير مكذوب للتصريح بنفي
الكذب وهو أهم لزعمهم الكذب فيه.
قوله: (أو وعد غير كذب عَلَى أنه مصدر كالمجلود والمعقول) هذا هُوَ الوجه الثالث
فحِينَئِذٍ لا مجاز فيه لكن لما كان كون الْمَفْعُول مصدرًا نادرًا وإن سمع من العرب أخَّره
وزيفه قوله كالمجلود والمعقول بمعنى عقل وجلد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وذلك وعد غير كاذب فيه واعده. وقوله أو غير مكذوب عَلَى الْمَجَاز فكان الوعد كأنه شخص قال
له الواعد أفي بك فإن وفى به الواعد صدقه، فيكون الوعد مصدوقًا به غير مكذوب به بمعنى غير
مكذب به، وإن لم يكن يسمي به كذبه فيكون الوعد مكذوبًا له فعلى هذا أي مكذبًا به لا يحتاج إلَى
تقدير فيه لأن الوعد حِينَئِذٍ مصدوق به غير مكذوب به والتقدير ذلك وعد غير مكذوب به بمعنى
غير مكذب به فالمقدر عَلَى هذا لفظ به؛ إذ التقدير غير مكذوب به وعلى الأول المقدر لفظ فيه بل
لا بتقدير شيء؛ لأنه من باب الحذف والإيصال فعلى الثاني وعد غير مكذوب مجاز عَلَى سبيل
الاسْتعَارَة بالكناية حيث شبه الوعد بإنسان وأثبت له ما هُوَ لازم المشبه به وهو نفي التَّكْذيب عنه
على سبيل التخييل فإن متعلق التصديق والتَّكْذيب حَقيقَة يكون من أولي العلم وإذا تعلقا بغيرهم
يجب المصير إلَى الْمَجَاز وفي الكَشَّاف غير مكذوب فيه فاتسع في الظَّرْف لحذف الحرف وإجرائه
مجرى الْمَفْعُول به كقولك: مشهود من قوله ويوم شهدناه. أو عَلَى الْمَجَاز كأنه قيل للموعود [أفي] بك
فإذا وفى به صدق ولم يكذب أو وعد غير كذب عَلَى أن المكذوب مصدر كالمجلود والمعقول
وكالمصدوقة بمعنى الصدق.