كالصريح في الْقَوْل الثاني ؛ إذ الحمل عَلَى الْإضَافَة البيانية بعيد .
قوله: (أمرهم بالتوحيد أولًا) أي في الْعبَادَة قد مَرَّ مرارًا أن عبادته تَعَالَى مع غيره كلا
عبادة. الأمر بالتوحيد [مُسْتَفَاد] من قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) كأنه قيل اعْبُدُوا اللَّهَ
تَعَالَى وحده كما ذكر لفظ وحده في بعض المواضع قَوْلُه تَعَالَى: (ما لكم) .
الخ. كالتعليل له .
قوله: (فإنه ملاك الأمر) أي [التوحيد] ملاك الأمر بكسر الميم ما يستند الأمر إليه
ويعتمد عليه أي التوحيد ملاك أمر الدين ويقوم أمره به ولولاه لا يعبأ به .
قوله: (ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس) إشَارَة إلَى وجه التَّخْصِيص أي الأهم هنا
النهي عن ذلك بعد الدعوة إلَى التوحيد ولذا كان الْأَنْبيَاء عليهم السلام يشرعون في الأهم
ثم الأهم بعد الدعوة إلَى التوحيد الأعم، ولما كان معتاد أهل مدين البخس في الكيل
والوزن دعاهم إلَى ترك هذا المعتاد صونًا عن الشر في البلاد والعباد .
قوله: (المنافي للعدل) وهو هنا عبارة عن اجتناب الجور والظلم .
قوله: (المخل بحكمة التعاوض) صفة أخرى للبخس. التعاوض تفاعل من العوض
اخْتيرَ لإفادة المشاركة الْمَشْهُور في الألسنة المعاوضة وحكمة التعاوض إيصال المستحق
إلى ما يستحقه بلا نقصان عَلَى وفق الحق .
قوله: (إني أراكم بخير) تعليل للنهي الْمَذْكُور وبيان شدة شكيمتهم حيث تحقق فيهم
سبب اجتنابهم عن ذلك وهو كونهم عَلَى سعة تغنيهم عن البخس فيما هنالك .
قوله:(بسعة تغنيكم عن البخس، أو بنعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكرًا عليها لا
أن تنقصوا حقوقهم)حمل الخير أولًا عَلَى سحة ثم حمله عَلَى نعمة ومآلهما واحد لكن في
الأول لوحظ كونه مغنيًا عن البخس، والثاني اعتبر كونهم متفضلين بها عَلَى النَّاس فضلًا عن
نقصان حقوقهم وهذا أبلغ من الأول لكن أخَّره ؛ إذ الأول أظهر في العلية للنهي ؛ إذ الْمَعْنَى
على ذلك إني أراكم بسعة تغنيكم عن البخس فما لكم في أن تنقصوا ولا تعدلوا .
قوله: (أو بسعة فلا تزيلوها بما أنتم عليه) حمل الخير عَلَى السعة أَيْضًا كما في
الوجه الأول لكن لوحظ في هذا التوجيه بمحافظة الخبر والسعة بترك ما هم عليه من
البخس والنقصان المؤدبين إلَى زوال النعمة والإحسان ؛ إذ كفران النعمة سبب لزوالها كما أن
شكرانها يؤدي إلَى بقائها وتزايدها .
قوله: (وهو في الْجُمْلَة) عَلَى الْوُجُوه الثلاثة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بسعة تغنيكم. معنى السعة مُسْتَفَاد من لفظ خير. فإنه عبَارَة في الاسْتعْمَال عن المال
الكثير وهو أَيْضًا من ألفاظ التَّفْضيل يقال هذا خير من ذاك .
قوله: أو بنعمة حقها أن تتفضلوا. هذا عَلَى أن يراد بالخير الإحسان .
قوله: وهو في الْجُمْلَة علة النهي. أي قوله (إني أراكم بخير) اسْتئْنَاف وقع في معرض التعليل