أن هذا ليس بمُسْتَفَاد من الأمر المفهوم من النهي لكن فيه تأمل، إلا أن يقال إن هذا مطلوب
أصالة كما أشير إليه في الكَشَّاف حيث قال نهوا أولًا عن عين القبح الذي كانوا عليه من
نقص المكيال والميزان لأن في التصريح بالقبيح نعيًا عَلَى المنهي وتعييرًا ثم ورد الأمر
بالإيفاء الذي هُوَ حسن في العقول مصرحًا بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعثا عليه انتهى. لا
يخفى إشارته عَلَى ما ذكرناه.
قوله: (بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بزيادة لا يتأتى دونها) أي الإيفاء دونها أي دون
الزّيَادَة فيجب الزّيَادَة حِينَئِذٍ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب قاله الفاضل السعدي
والظَّاهر أن هذا الْكَلَام من المص مُبَالَغَة منه تسامحًا. قوله: الآتي من غير زيادة ونقصان إلَى قَوْله
وهو مندوب غير مأمور به يدل عَلَى ما ذكرنا وإلا فبينَ كَلَامَيه تدافع ظَاهر وتناقض صريح. اعلم
أن المص حمل المكيال والميزان عَلَى ما يكال ويوزن في الموضعين؛ إذ الأهم النهي عن
النقصان والبخس في المكيال والموزون فإنه مستلزم للنهي عن النقصان في حجم آلة الكيل
والوزن دون العكس؛ إذ كثيرًا ما يكون حجمها تامًا ويحتال في تنقيص ما يكال ويوزن به ويؤيده
إعادتهما معرفتين؛ إذ الشيء إذا أعيد معرفة يكون عين الأول في الأغلب. نعم للحمل عَلَى الآلة
في الأول وعلى المكيل والموزون في الثاني مساغ، لكن ما اختاره أولى وبالاعتبار أحْرى. والْقَوْل
بأنه مجاز بذكر المحل وإرادة الحال واسْتعْمَالهما في الآلة حَقيقَة مدفوع بأنه مجاز مُتَعَارَف كأنه
صار حَقيقَة والاعتراض عليه بأنه لو كان تكرارًا للتأكيد والمُبَالَغَة لم يكن مَوْضع الحال لكمال
الاتصال بين الجملتين. جوابه أنه لاخْتلَاف المقاصد فيهما كما نبه عليه المص صارا كالمتغايرين
فحسن العطف، كَمَا صَرَّحَ به أرباب الْمَعَاني في قَوْله تَعَالَى:(يسومونكم سوء العذاب ويذبحون
أبناءكم)عَلَى وجه أن يكون الْمُرَاد به سوء العذاب بعينه.
قوله:(بالعدل [والسوية] من غير زيادة ولا نقصان، فإن الازدياد إيفاء وهو مندوب غير
مأمور به) وهو مندوب أي مستحسن وهذا ينافي قوله غير مأمور به؛ إذ المندوب المصطلح
من المأمور به قال مَوْلَانَا السعدي إذا تيسر الإيفاء بدون الزّيَادَة فالازدياد مندوب وإلا
فواجب كما ادعاه أولًا والازدياد الذي لا يتأتى الإبقاء بدونه ومقابله غير منضبط، فالأولى ما
ذكرناه في تقرير كلامه من أن قوله ولو بزيادة لا يتأتى دونها للمُبَالَغَة تساهلًا وهو الأوفق
لقوله بالضبط من غير زيادة ونقصان والْقَوْل بأن الزّيَادَة في صورة أن الإيفاء لا يتأتى بدونها
كلا زيادة لتوقف الواجب عليه ضعيف.
قوله: (وقد يكون محظورًا) بالظاء الْمُعْجَمَة أي ممنوعًا ويحتمل كونه بالطاء المهملة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولو بزيادة أي ولو بزيادة لا يتأتى الإيفاء بدون تلك الزّيَادَة.
قوله: وهو مندوب غير مأجور به والمأمور به هُوَ الإيفاء الواجب وهو المساوي لا أزيد
ولا أنقص والزائد المندوب هُوَ ما يتفصل به بعد إيفاء الواجب والزائد المحظور عنه هو الزائد
على وجه الربا.