قوله: (وحذفها هَاهُنَا) أَشَارَ إلَى أن الأصل هُوَ الذكر لما ذكره لكن النُّكْتَة بناء عَلَى
الإرادة واختيار أحد الطريقين فيما اختاره مما لا يناسب الأسفار عن نكتة ؛ إذ هُوَ فعل
الْمُخْتَار مع أنه دوري مردود لدى ذوي الأبصار والْقَوْل بأن أول الذكرين يقتضي التصريح
فيناسب في الثاني خلافه يرد عليه أن الأولية في الترتيب والتلاوة غير مفيد والأولية في
النزول غير معلوم عَلَى أنه يعارض بأن أول الذكرين يقتضي المُبَالَغَة في التهويل فيناسب في
الثاني خلافه العديل .
قوله: (وحذفها هَاهُنَا لأنه جواب سائل قال فماذا يكون بعد ذلك) أي لأنه أريد أن
يكون جواب سؤال فجعل اسْتئْنَافًا ؛ إذ السؤال المقدر يدل عَلَى ما دلت عليه الفاء وهو
السببية حيث سئل من الأمر الذي يؤدي الإصرار الْمَذْكُور إليه فرجحانه لفظًا [لوجازته]
ومعنى لجزالته وكثرته كما أشار بقوله فهو أبلغ في التهويل .
قوله: (فهو أبلغ في التهويل) إذ الشيء بعد الطلب يتقرر في الأذهان ويؤثر تأثيرًا تامًا
في الجنان ويحصل به الانقباض الكامل في صورة الوعيد والإنذار كما هنا والانبساط التام
في صورة الوعد والإبشار أو للإشعار بأنه يسأل ويعتني به كذا قيل. وفيه ما فيه .
قوله: (عطف عَلَى من يأتيه) وهما واحد والعطف للتغاير الاعتباري إلا لأنه قسيم له
كقولك ستعلم الكاذب والصادق) .
قوله: (بل لأنهم لما أوعدوه وكذبوه) قدس أن لولا في (ولولا رهطك) .
آبٍ عن الوعيد، فالأَوْلَى الاكتفاء بالتَّكْذيب والإعراض عن بيان الوعيد قوله كقولك ستعلم الخ.
تمثيل للمنفي .
قوله: (قال سوف تَعْلَمُونَ من المعذب والكاذب مني ومنكم) أَشَارَ إلَى أنه من كلام
المنصفين المسكت للخصم المشاغبين فهو بعد ما تقدم من البيان البليغ الدال عَلَى من هُوَ
كاذب معذب أبلغ من التصريح .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فهو أبلغ في التهويل أي (سوف تَعْلَمُونَ) بحذف الظء أبلغ من فسوف
تَعْلَمُونَ وجه [أبلغيته] منه أن في حذف الفاء ربطًا معنويًا وإثبات الفاء ربط لفظي مع ما في الحذف من
تقدير سؤال لكونه في معرض الاسْتئْنَاف فإن الواقع بعد السؤال أوقع في القلب وأمكن فيفيد زيادة
تهديد وتهويل. قال صاحب المفتاح: وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لجهات
لطيفة إما لتنبيه السامع عَلَى موقعه أو لإغنائه أن يسأل أو لئلا يسمع منه شيء أو لئلا ينقطع كلامك
بكلامه أو للقصد إلَى تكثير الْمَعْنَى تقليل اللَّفْظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف أو غير ذلك وفي
[الكَشَّاف] وأقوى الوصلين أبلغهما الاسْتئْنَاف وهو باب من أبواب علم البيان يتكاثر محاسنه .
قوله: بل لأنهم لما أوعدوه كذبوه. يعني وقع الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه هَاهُنَا في ساق ذكر
الإيعاد والتَّكْذيب فلذلك سيقا مساق ما ذكر لا لأن بَيْنَهُمَا تباينًا وتنافيًا حتى يحمل دخول الواو في
الْمَعْطُوف عَلَى تناسب التضاد .