قوله:(إن كان الضَّمير للناس فالإشَارَة إلَى الاخْتلَاف واللام للعاقبة أو إليه وإلى
الرحمة)فاللام أَيْضًا للعاقبة كما أشار إليه الفاضل المحشي حيث قال يعني أن النَّاس
عاقبتهم إلَى أحد هذين عَلَى سبيل منع الخلو لأن الاخْتلَاف يعمهم دون الرحمة انتهى.
فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إن كان الضَّمير للناس فالإشَارَة إلَى الاخْتلَاف أو إليه وإلى الرحمة واللام
للعاقبة وهذا الْقَوْل الأخير نسب إلَى ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - والْقَوْل الأول نقل
عن الحسن وعطاء ولو عكس لكان أولى ولو قيل إفراد اسم الإشَارَة وتذكيره يرجح الأول
قلنا الإشَارَة بذلك إلَى اثنين كثير شائع كقَوْله تَعَالَى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) .
قوله: (وإن كان لمن فإلى الرحمة) أي الضَّمير راجعًا إلَى من في قوله:(إلا من
رحم)فالإشَارَة إلَى الرحمة بتأويل أن مع الْفعْل أو تاؤه ليست للتأنيث
واللام حِينَئِذٍ للحكمة.
قوله: ( [وعيد] أو قوله للملائكة.(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) .
أي من عصاتهما أو منهما أَجْمَعينَ لا من أحدهما) [وعيد] أي الكلمة مجاز عن الوعيد؛ إذ
الوعيد ظهوره بالكلمات أو قوله للْمَلَائكَة فتكون الكلمة حَقيقَة آخره مع أنه حَقيقَة لأن
الأول فيه مُبَالَغَة وعلى كلا التقديرين لأملأن جهنم بيان للكلمة من الجنة والنَّاس أَجْمَعينَ
هو كقولهم ملأت الكيس من الدراهم والدنانير جَميعًا من حيث إنه لعموم الأنواع لا لعموم
الإفراد، فالْمَعْنَى لأملأنها من دينك النوعين جَميعًا ولا يلزم دخول كل فرد منهما في جهنم
كما جنح إليه بعض الْمُفَسّرينَ، وإليه أشار الْمُصَنّف بقوله أو منهما أَجْمَعينَ لا من أحدهما
أو لعموم الإفراد إن قيد بالعصاة كما اختاره أولًا بقوله أي من [عصاتهما] والقرينة عليه كون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: إن كان الضَّمير للناس. أي إن كان ضمير الْمَفْعُول في خلقهم عائدًا إلَى الناس تكون
الإشَارَة بلفظ ذلك إلَى الإخلاف المدلول عليه بقوله: (مختلفين) واللام في ولذلك
حِينَئِذٍ ليست للعلية لأنهم لم يخلقوا للاخْتلَاف في [الَّدِّينَ] بل خلقوا للاتفاق فيه أي في أصول الدِّين
وإن كانوا مختلفين في الفروع بسَبَب نسخ بعض الكتب السماوية بعض الأحكام الثانية في الكتب
المتقدمة عليه.
قوله: أو إليه وإلى الرحمة. أي أو الإشَارَة بذلك إلى الاخْتلَاف والرحمة المدلول عليها بلفظ
رحم في (إلا من رحم ربك) فالْمَعْنَى وللاخْتلَاف والرحمة خلقهم فاللام عَلَى هذا
أَيْضًا للعاقبة لأن عاقبة خلق النَّاس الاخْتلَاف والرحمة كما في قَوْله تَعَالَى:(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)وفي قول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
قوله: وإن كان لمن فإلى الرحمة. أي وإن كان الضَّمير الْمَفْعُول في خلقهم عائدًا إلَى من في
(إلا من رحم ربك) تكون الإشَارَة بلفظ ذلك إلَى الرحم المدلول إليه بلفظ رحم
فالْمَعْنَى ولأجل ذلك الرحم خلق ربك من رحمة فالعائد إلَى الموصول [حِينَئِذٍ] يكون مَحْذُوفًا من الصلة
فعلى هذا تكون اللام في (ولذلك) حَقيقَة في معنى التعليل بخلاف الأول [فإن] الأول مجاز مُسْتَعَار.