ألقوه ليموت كما في الكَشَّاف؛ إذ الغالب في مثل هذا الإلقاء الموت والفناء حتى روي أنهم
أرادوا أن يلقوا في البئر صخرة فمنعهم يهوذا. وروي أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ لما أُلقي في الجب قال
يا شاهدًا غير غائب يا قريبًا غير بعيد يا غالبًا غير مغلوب اجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا
انتهى. أتضرع إليه وأبتهل بهذا النداء والدعاء لعله تَعَالَى يجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا
إذ ابتليت في هذا الآن ابتلاء مبينًا لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
قوله: (وكان ابن سبع عشر سنة) أي بالغًا كاملًا أشده وهذا رواية الحسن واختاره
الْمُصَنّف؛ إذ هُوَ الْمُنَاسب للوحي والرسالة.
قوله:(وقيل كان مراهقًا أوحي إليه في صغره كما أوحي إلَى يحيى وعيسى عليهم
السلام)أي صبيًا غير بالغ أو أن الحلم، مرضه لأن الوحي والنبوة في حال الصغر غير شائع
مع أنه لا داعي إليه إذ الرواية الأولى هي الأرجح والأولى وبعضهم حمل الوحي عَلَى
الإلهام والإعلام دون النبوة والرسالة كأنه استبعده؛ إذ ليس هناك أحد يبلغه الرسالة فما فَائدَة
الوحي لكنه ضعيف؛ إذ لا يمتنع أن يشرفه الله تَعَالَى بالوحي ويأمره بتبليغ الرسالة بعد
أوقات كما قاله الإمام ولا يقتضي النبوة تبليغ الأحكام عقيب الوحي، أَلَا [تَرَى] أن عيسى عليه
السلام أوحي إليه في صغره وفَائدَة تقديم الوحي الاستئناس أشير إليه في الكَشَّاف حيث
قال أوحي إليه ليونس في الظلمة والوحشة وصرح به الإمام أيضًا. وقيل الْمَعْنَى وعلمناه
بإرسال كلك والموحى به ما ذكر بعده لا الإيحاء المعروف بإبلاغ الشرائع حتى يتكلف له
لأنه أعلمه بالتبليغ بعد زمان تأنيسًا وتسلية له وهذا القائل حمل الوحي عَلَى الإلهام مع أنه
قال بعد هذا وقيل إنه بمعنى الإلهام، ولا يخفى عليك اضطراب الْكَلَام.
قوله:(وفي القصص: أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه
جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يَعْقُوب)
أي في كتب قصص الْأَنْبيَاء عليهم السلام وهو جمع كما هُوَ الظَّاهر واحتمال المفرد ضعيف
حين ألقي أي حين أُريد إلقاءه في النَّار من حرير الجنة فألبسه إياه إما لكونه من حرير الجنة
يباح له ليس الحرير أو لكونه مشروعًا لبسه في شريعته أو لكونه وقت الضرورة.
قوله: (فجعله في تميمة وعلقها بيُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ) الباء بمعنى عَلَى كقَوْله تَعَالَى:
(مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) الآية. كما في مغني اللبب.
قوله: (فأخرجه جبْريل [وألبسه] إياه) أي عن تميمة في عنق يُوسُف لعل إخوته لم
يعلموا ذلك أو صرف الله قلوبهم عنه، وأما عدم إخراج يُوسُف لبسه بنفسه إما لأن يُوسُف
عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يعلم أن ما في [التميمة] القميص أو لتَشْريفه بإلباس آمين الوحي ولزوال
تجرع ذلك المر [البشع] من الهم والغم الشديد بسَبَب ذلك الأمر الشنيع ولا يبعد أن لا
يكون [التميمة] معه عَلَيْهِ السَّلَامُ بقي الْكَلَام في أن يَعْقُوب عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هل تفحص
ذلك القميص أم لا وإن ذلك القميص بعد خروجه [من] الجب أبقي معه وأخذ السيارة فلم
يصادف أحدًا يحوم حوله ويروم حله.