قوله:(الحق وأنتم لا تميزون المعوج من القويم وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام
الحجة)الظَّاهر أن هذا إشَارَة إلَى [قوله] (يا صاحبي السجن) إلَى هنا إذ ذكر وجه ارتباط قوله:
(قال لا يأتيكما طعام) الآية بما قبله وما هُوَ الغرض منه فحاول بيان وجه
اختيار ما رجحه في الدعوة فقال: وهذا من التدرج أي من الترقي من الأدنى إلَى الأعلى
لكونه ذريعة إلَى وصول المطلب الأسنى. أصل التدرج الصعود إلَى السلم درجة درجة في
الدعوة أي إلَى التوحيد الذي خلاصة العلم وإلزام الحجة الشاملة للبرهان والخطابة .
قوله:(بين لهم أولًا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن
على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الالهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما
بالغير)بين لهم أولًا. أي قبل شروع البيان بالبرهان رجحان التوحيد رجحانًا وأصلًا إلَى حد
الوجوب وهذا مراده، لكن في لفظ الرجحان سوء إيهام، فالأولى بين لهم أولا لزوم التوحيد
ووجوب الاعتراض عن اتخاذ الآلهة المتفرقة عَلَى طريق الخَطابة بفتح الخاء أي قوله تعدد
الآلهة (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) طريق خطابي يفيد
الترهيب ولا يفيد اليقين ثم ترقى منه وبرهن عَلَى التوحيد بأن يبرهن عَلَى أن ما سميتموها
الخ. بقوله فإن استحقاق الْعبَادَة إما بالذات وإما بالغير هذا مقدمة الأولى .
قوله: (وكلا القسمين منتف عنها) مقدمة ثانية وكلاهما من المقدمات اليقينية فالدليل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بين أولًا. يريد بيان التدرج في الدعوة حيث بين لهم أولًا رجحان التوحيد عَلَى
الإشراك عَلَى طريق الخَطابة التي تفيد الظن بحقية المدعي الذي هُوَ التوحيد وذلك قوله:(ما كان
لنا أن نشرك باللَّه من شيء)وقوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
فإن في قوله هذا أن القهار الغالب أحق أن يعبد من المقهور المغلوب وأن
المغلوب لا يستحق الْإلَهيَّة مع وجود الغالب، وأن الواجب عَلَى العابد أن يختار للعبادة الواحد
الغالب ولا يعبد المغلوب المقهور. وهذا هُوَ معنى بيان ترجيح التوحيد عَلَى اتخاذ الآلهة، وأما كون
هذا الشأن بطَريق الخَطابة فباعْتبَار [إذ] لم يصرح فيه ما ينفي استحقاق أصنامهم بالْإلَهيَّة، كَمَا صَرَّحَ
هو بطَريق المفهوم في قوله:(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)فإنه قد دل دلالة ظاهرة عَلَى أنهم لا يعبدون إلا الأسماء المجردة
الخالية عن المسمى فإن مسمى الإله قادر قوي، وأصنامهم التي يسمونها آلهة عجزة لا تضر ولا
تنفع وهذا هُوَ الْمَعْنَى بقوله: والْمَعْنَى أنكم سميتم ما لم يدل عَلَى استحقاقهم الْإلَهيَّة عقل ولا نقل
آلهة ثم تَعْبُدُونَها باعْتبَار ما تطلقون عليها. فقوله ثم برهن لبيان للتدرج من الدليل الظني إلَى العقلي
لدلالة هذا الدليل عَلَى عجز أصنامهم الدال دلالة قاطعة عَلَى عدم استحقاقها بالْإلَهيَّة. قوله: ثم نص
على ما هُوَ الحق القويم وذلك قوله ذلك الدين القيم .
قوله: فإن استحقاق الْعبَادَة إما بالذات، كذات الواجب تَعَالَى وإما بالغير كآدم عَلَيْهِ السَّلَامُ
حيث أمر الْمَلَائكَة بالسجود له فإن استحقاق آدم بالسجود له ليس استحقاقًا بالذات، وإنَّمَا ذلك بابر
الله تَعَالَى للْمَلَائكَة بالسجود له تكريمًا. أقول: فيه نظر فإن السجود للتكريم لا يستلزم استحقاق
الْعبَادَة، إلا أن يقال صورته صورة العادة .