الطعام القليل وانشقاق القمر وسلام الحجر وحسبهم الْقُرْآن(وما عليك إلا الإتيان بما
تتضح به نبونك من جنس المعجزات لا بما يقترح عليك)قال الإمام: ففتح هذا الباب يفضي
إلى ما لا نهاية له وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر وطلب منه معجزة أخرى وذلك
يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام وأنه باطل .
قوله: (نبي مَخْصُوص بمعجزات من جنس ما هُوَ الغالب عليهم) كما أن مُوسَى عليه
السلام لما كان في عصره فشو السحر وكماله جعلت معجزاته قلب العصا الذي عجز عنه
السحرة المهرة عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لما في زمنه كثرة الأطباء جعلت معجزاته إحياء الموتى
وإبراء الأكمة والأبرص التي عجز عنها حذاق الأطباء ونبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ لما بعث بين أظهر
البلغاء والعرب العرباء جعل أبهر آياته الْقُرْآن مع ما ضم إليه مما فاق معجزة كل نبي(حتى
روي أنه ما أوتي نبي آية إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وفضل عَلَى غيره بآيات).
قوله: (يَهْديهم إلَى الحق) أي هاد بمعنى الْمُضَارِع وتعديته بـ إلى ؛ إذ الهداية بمعنى
الدلالة عَلَى ما يوصل إلَى المطلوب. وحاصله الدعوة ولذا عطف عليه(ويدعوهم إلَى
الصواب تفنن).
قوله: (أو قادر عَلَى هدايتهم وهو اللَّه تَعَالَى) أي عَلَى إيصالهم إلَى الحق(لكن لا
يَهْدي إلا مَنْ يَشَاءُ هداية بما ينزل من الآيات)أي بمعنى الْمَذْكُور وهو الإيصال وإن هدى
بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الآيات وارتباط الْمَعْنَى الأول بما قبله أتم، ولذا قدمه
(ثم أردف ذلك بما يدل على كمال علمه وقدرته وشمول قضائه وقدره، تنبيهًا على أنه تعالى
قادر على إنزال ما اقترحوه وإنما لم ينزل لعلمه بأن اقتراحهم للعناد دون الاسترشاد، وأنه قادر
على هدايتهم وإنما لم يهدهم لسبق قضائه بالكفر) وقرأ ابن كثير هاد ووال وواق
وما عند الله باق بالتَّنْوين في الوصل فإذا وقف وقف بالياء في هذه الأحرف الأربعة حيث
وقعت لا غير والباقون يصلون بالتَّنْوين ويقفون بغير ياء (فقال) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: نبي مَخْصُوص بمعجزات من جنس ما هُوَ الغالب وعليهم معنى الخصوص مُسْتَفَاد من
تنكير المسند إليه وهو هادٍ أي ولكل آية هادية لهم مناسبة لحالهم التي خصص الله نبيهم بها فإنه
لما كان الغالب في زمان مُوسَى هُوَ السحر جعل الله معجزته ما هُوَ أبلغ في طريقة السحرة ولما
كان الغالب في عهد عيسى الطب حمل معجزته من ذلك الجنس، ولما كان الغالب في زمان رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - الفصاحة والبلاغة جعل معجزته من ذلك الجنس وليس يلزم أن يكون الأنبياء سواء في الآية.
والمعجزات حتى يقترحوا عن نبينا من المعجزات مثل ما أوتي من قبله .
قوله: أو قادر عَلَى هدايتهم هذا الوجه مبني عَلَى أن يحمل تنكير هاد عَلَى التَّفْخيم. فقوله عز
وجل: (الله يعلم) عَلَى الوجه الأول جملة مستأنفة لبيان وجه تَخْصيص كل نبي بما
اختص به من الآيات وعلى الثاني الله خبر مبتدأ مَحْذُوف أي هُوَ الله وجملة هُوَ الله مفسرة لقوله:
(هاد) وقوله: (يعلم) اسْتئْنَاف للدلالة عَلَى هدايته قوله: فقال اللَّه
يعلم عطف عَلَى أردف.