لأنه كان حق العبارة أن يقال ومَن هُوَ مستخف بالليل ومن هُوَ سارب بالنهار ؛ إذ الاستواء
يقتضي شيئين وهنا إذا كان سارب مَعْطُوفًا عَلَى جزء الصلة أو الصّفَة يكون شخصًا واحدًا
فلا يحسن اسْتعْمَال السواء والاستواء. وتوضيح الْجَوَاب أنه لائم أنه عطف عَلَى مستخف بل
هو مَعْطُوف عَلَى مَن فيؤول الْكَلَام إلَى الْقَوْل ومَن هُوَ سارب بالنهار فيتحقق الاستواء بين
الأمرين والنُّكْتَة في اختيار ذلك الأسلوب أنه زيد في الأول هُوَ ليدل عَلَى كمال العلم في
الاختفاء وحذف الْمَحْذُوف عن سارب لعدم الاحتياج إلَى تلك الدلالة لظهوره وعدم اشتباه
أحد فيه والسر في إيراد الصلتين في الأولين جملة فعلية وفي الآخرين جملة اسمية أَيْضًا
ذلك باعْتبَار الشق الأول ؛ إذ العلم يطالب الخفاء في محل خفاء في الليلة الظلماء بالنسبة
إلينا في غاية الخفاء فأريد المُبَالَغَة في كمال علمه بذلك بإيراد الْجُمْلَة الاسمية وأخبر بأنه
والسارب بالنهار سيان في العلم بهما ثم سلم كونه مَعْطُوفًا عَلَى مستخف ودفع المحذور
بأن من في معنى الاثنين وفي الْمَعْنَى متعدد الأول ناظر إلَى واحد منهما، والثاني أعني
سارب ناظر إلَى آخر منهما فيتحقق الاستواء بين الأمرين بلا خفاء ثم استشهد عَلَى ذلك
بقول الفرزدق مشعر مشعور ذكر فيه ذئبًا [لقيه] بفلاة فصحبه وإضافة ومنه:
[فَقُلْتُ لَهُ لمّا تَكَشّرَ ضَاحِكًا ... وَقَائِمُ سَيْفي مِنْ يَدِي بمَكَانِ
تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
المستخفي والسارب، وإلا فما في النظم بحسب الظَّاهر متناول لواحد متصف بالاستخفاء والسروب
وهذا بحسب الظَّاهر غير مطابق للمَعْطُوف عليه وهو قوله عز وعلا(سَوَاءٌ مِنْكُمْ
مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ)فإن معنى التسوية هناك متناول لشيئين وهنا لشيء واحد متصف
بصفتين. وتقرير الْجَوَاب أن فيه وَجْهَيْن. أحدهما: أن قوله وسارب عطف عَلَى من هُوَ مستخف لا
على مستخف, والثاني أنه عطف عَلَى مستخف إلا أن مَن في معنى الاثنين فعلى أي وجه حمل
الْكَلَام حصل معنى التطابق واستقام أما معنى التطابق عَلَى وجه الأول فظاهر لأن العطف يوجب
المغايرة وبين الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه فيفيد أن المتصف بالاستخفاء غير المتصف بالسروب
فيكونان شيئين داخلين في حيز الاستواء دخول من أسر ومن جهر فيه، وأما عَلَى الثاني فإن لفظ مَن
إذا أريد به اثنان يكون عبَارَة عن شخصين أحدهما: مستخف بالليل، وثانيهما سارب بالنهار فيكون
مآل الْمَعْنَى من هُوَ مستخف بالليل ومن هُوَ سارب بالنهار فيكون معنى التسوية متناولًا لشيئين كما
في الْجُمْلَة الْمَعْطُوف عليها. أقول: هذا الوجه الثاني خفي الأخذ من ظَاهر الْكَلَام فإن الْمُتَبَادَر عن
حاق اللَّفْظ حين عطف سارب عَلَى مستخف أن كلا من الاستخفاء والسروب صفة شيء واحد لا
شيئين فإن الْمُتَبَادَر من قولك: رأيت من قام وصلى أن القائم هُوَ عين المصلي لا غيره، ولا يستفاد
منه أن القائم شخص والمصلي شخص آخر يحمل مَن عَلَى اثنين ومن جوز ذلك فقد ظلم
الإنصاف تكن مثلًا من [يا ذيب] يصطحبان. وقيل البيت:
[فَقُلْتُ لَهُ لمّا تَكَشّرَ ضَاحِكًا ... وَقَائِمُ سَيْفي مِنْ يَدِي بمَكَانِ
تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذيب يصطحبان]
تكشر أي أبدى أسنانه يصطحبان و [يا ذيب] معترض بين الموصول وصلته. أقول: ما في الآية
ليس كما في البيت وقياسه عليه قياس مع الفارق .