فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 10841

هذا التقدير. أما أولًا فلأن قوله فأجيب بقوله (الَّذينَ يُؤْمنُونَ) ولم يقل أو أجيب بقوله والَّذينَ

يُؤْمنُونَ يأبى عنه، وأما ثانيا فلأنه إذا فصل الموصول الثاني فقط كان الموصول الثاني ابتداء

كلام لا جوابًا لسؤال وهو ظَاهر ولعل عدم تعرضه له لأن فصل الثاني وحده ضعيف؛ لأن

الموصول الثاني إما أن يتحد مع الأول أو لا فإن كان متحدا فحقه أن يجري عَلَى ما أجري

عليه الأول فإن قطع عن ذلك وجعل مبتدأ فإن لم يجعل الاخْتصَاص الحاصل من تعليق

الحكم بالوصف الذي يتضمنه المبتدأ تعريضا بأهل الْكتَاب الَّذينَ لم يؤمنوا ومع ذلك أنهم

يظنون أنهم عَلَى هدى كما ذكر في الكَشَّاف فقد قطع عن حقه وأضيع فَائدَة الاسْتئْنَاف بلا

داع ظَاهر مع أنه تكرار لما تقدمه وإن جعل تعريضا به كان فَائدَة مطلوبة يرتكب لها خلاف

الظَّاهر والوجه في تصوير التعريض عَلَى ما قاله قدس سره أنه لما عبر عن الْمُؤْمنينَ بأنهم

جامعون بين المنزلتين قابلهم بهذا الاعتبار من الانفراد بأحدهما وهم كفار أهل الْكتَاب

فعرض بأن ظنهم أنهم عَلَى الهدى ظن كاذب وطمعهم في نيل الفلاح تخيل فارغ ومعنى

الْكَلَام أن الْكتَاب هدى للَّذينَ آمنوا به والَّذينَ لم يؤمنوا به ليسوا عَلَى هدى فالجملتان

بحسب الْمَعْنَى وإن تقابلتا في إثبات الإيمان وسلبه في الطرف ليسا عَلَى حد يحسن العطف

بَيْنَهُمَا فإن الأولى في وصف الْكتَاب بإمال الهداية للْمُؤْمنينَ به والآية. لسلب الاهتداء عن

طائفة أخرى لم يؤمنوا به ولو قيل الْمَعْنَى عَلَى التعريض أن الْكتَاب هُدًى للْمُتَّقينَ وليس

هدى لمن عداهم لفساد استعدادهم وعدم تدبرهم فالجملتان تكونان متناسبتين غاية التناسب

فإن سلب كونه هدى لغير من صقل العقل واستعمله في تدبر الدلائل صفة كمال للكتاب

كما أن كونه هدى لمن هُوَ صحيح المزاج وتام الاستعداد وطالب السداد صفة كمال قال الله

تَعَالَى في شأن الْكتَاب: (ولا يزيد الظَّالمينَ إلا خسارا) في معرض مدح

الْكتَاب لم يتوجه الإشكال الْمَذْكُور بلا ارتياب ؛ إذ تفاوت أحوال الشيء بحسب المحال من

أوصاف الْكَمَال وإن كان الموصول الثاني مخالفًا للأول كما هُوَ الْمُخْتَار عند الْمُصَنّف كان

الأولى بالثاني أن يعطف عَلَى الأول تقسيمًا لِلْمُتَّقِينَ فإن جعل مبتدأ بلا تعريض فقد ترك

الأولى بلا سبب وفاتت نكتة السؤال المقدرة وكان التَّخْصِيص المُسْتَفَاد من الْمَعْطُوف منافيًا

في الظَّاهر لما استفيد من الْمَعْطُوف عليه وإن قصد التعريض كان أظهر ولم يكن التَّخْصِيص

مقصودا في الْمَعْطُوف بل وسيلة إلَى التعريض ويتعين أن يكون بالْقيَاس إلَى المعرض بهم

والحال في العطف كما سلف ويمكن العناية التي ذكرناها في كون العطف حسنًا بها وجعل

الواو اعتراضية وإن أمكن لكنه خلاف الظَّاهر، ولك أن تقول: هذا وإن كان خلاف الظاهر

لكنه سالم عن التَّكَلُّف الذي يضطرب عنه الأذهان وخروج الواو عن العطف شائع ذائع

فالتَّكَلُّف الذي ذكره شراح الكَشَّاف مما لا يناسب جزالة النظم الجليل فأشار الْمُصَنّف إلَى

أن قَوْلُه تَعَالَى (وَالَّذينَ يُؤْمنُونَ) لَيسَ للعطف بل جملة ابتدائية مسوقة لبيان أحوال

مؤمني أهل الْكتَاب تعريضًا لمن عداهم ولضعف هذا لم يتعرض له في ذيل قوله فكأنه

الخ. ولم ينبه عليه فيما سبق ومن جملة أسباب ضعفه أنه عَلَى هذا التقرير يوهم اخْتصَاص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت