الْأَرْض ويلائم هذا الْمَعْنَى لفظة من الْمَخْصُوصة بالعقلاء ويأباه تشريك الظلال كذا قيل. ولو
جعل من قبيل:
علفتها تبنًا وماءً باردًا
أو الْفعْل الذي يقدر في الْمَعْطُوف أعني يسجد بمعنى ينقاد لاندفع الإشكال عَلَى أن
صاحب التوضيح قال: فعلم أن وضع الرأس خُضُوعًا للَّه غير ممتنع من الجمادات بل هُوَ
كائن لا ينكره إلا منكر خوارق العادات انتهى. ولعل هذا مختار الْمُصَنّف فلا إباء أصلًا .
قوله: (فإنه تسجد له الْمَلَائكَة) تحقق معنى وضع الجبهة أو وضع الرأس في الْأَرْض
في الْمَلَائكَة السماوية فيه إشكال إلا أن يسقط لفظ الْأَرْض عن التعريف أو يعم إلَى السماء
قوله: (والْمُؤْمنُونَ من الثقلين) اعلم أن لفظة من وإنْ كانت عالمة للكفار أَيْضًا لكن الْمُرَاد
الْمُؤْمنُونَ بقرينة السجود وإسناده إلَى من وإرادة معنى الْحَقيقَة من السجود ليس بأن الْمُرَاد
بمن الْمُؤْمنُونَ من الثقلين بل لتبادره منه فلا يتوهم الدور فبعض الْمُؤْمنينَ من الثقلين يسجد
لله تَعَالَى سهولة ونشاطًا ومن الْمُسْلمينَ من يسجد له تَعَالَى كرهًا لصعوبة ذلك عليه مع أنه
يحمل نفسه عَلَى أداء تلك الطاعات كذا قاله الإمام، لكن الْمُصَنّف جعل لفظة من عامًا للكفار
فجعل طوعًا ناظرًا إلَى سجود الْمُسْلمينَ وكرهًا ناظرًا إلَى سجود الْكَافرينَ. وتحقق السجود
الشرعي الذي كلًا منافيه في جميع الكفرة ولو كرهًا غير مسلم بل غير ثابت، ولذلك قال أبو
حيان: الساجدون كرهًا ضمهم السيف إلَى الْإسْلَام وقال قتادة فيسجد كرهًا نفاق لأجل خيفهْ
السيف. نعم ثبت أنهم دعوا الله مخلصين حالة الشدة لكن الْكَلَام في السجود الشرعي .
قوله: (طوعًا) أي رضاء ومحبة (في حالتي الشدة والرخاء) ولا يلحقهم فتور عن
السجود في وقت النعماء والبأساء كرهًا أي نفرة بلا رضاء حال الشدة والضرورة، وأما في
حال السعة والمسرة فيسجدون لآلهتهم. قال الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ
أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)الآية. من غير إشراك لتراجع الفطرة
وزوال المعارض من شدة الخوف انتهى. ووجود الكُره بهذا الْمَعْنَى في ذلك الحين غير
مسلم لدى أهل اليقين (والكفرة له كرهًا حالة الشدة والضرورة) (وظلالهم) جمع ظل وهو
الضوء الحاصل في الجسم من مقابلة الشيء لغيره كالحاصل عَلَى وجه الْأَرْض حال
الإسفار وعقيب الغروب فإنه مُسْتَفَاد من الهواء المضيء فلا ظل للْمَلَائكَة فضمير ظلالهم
يرجع إلَى (من في الْأَرْض) واعتبار التَغْليب في مثله لا يرضى عنه اللبيب .
قوله: (بالعرض) أي حصول السجود للظلال بواسطة ذوي ظل فهم الواسطة في
الثبوت عَلَى ما بيناه من أن الجماد يسجد له تَعَالَى حَقيقَة وصرح به ابن الأنباري وقال لا
يبعد أن يخلق الله تَعَالَى في الظلال عقولًا وأفهامًا يسجد بها للَّه تَعَالَى انتهى. وإن أبيت عن
حمل كلام الْمُصَنّف عليه فاسلك ما قررناه أولًا. فمعنى بالعرض أنه لا سجود للظل حَقيقَة
بل إسناده إليه بالْمَجَاز وبالعرض كإثبات التحرك لجالس السفينة .