يحسن الطرح هنا وإن صح أو مبتدأ بناء عَلَى أنها علم الطبقات مَخْصُوصة، لكن الظَّاهر أنها
مطلق الجنات. وقول الْمُصَنّف والعدن الإقامة يشعر بذلك فحِينَئِذٍ كونها مبتدأ يحتاج إلَى
التمحل، ولعل مراد من قال أنه خبير ببعده عن المقام. والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: خبر مبتدأ مَحْذُوف
انتهى. إشَارَة إلَى ما ذكرنا وإن لم يلائمه لفظ المقام، إلا أن يقال إنها علم لدار الثواب
وبالْجُمْلَة كونها خبر المبتدأ أحسن الْوُجُوه.
قوله: (أي جنات يقيمون فيها. وقيل هُوَ بطنان الجنة) أي وسطها فيكون بدل البعض
بتقدير الضَّمير أي جنات عدن منها مرضه. أما أولًا فلاحتياج تقدير [الضمير] فيه فلا داع، وأما
ثانيا فلأن الْمَذْكُورين دخولهم كلهم وسط الجنات مما لا يساعده النقل؛ إذ العمال متفاوتون
بحسب العمل والْإخْلَاص وتساويهم في الدرجات بعيد بل هم متفاوتون في الدرجات
بحسب تفاوتهم بالْأَعْمَال والنيات الخالصات، وأَيْضًا وسط الجنة الفردوس كما ورد في
الخبر الشريف فهي منازل سيد الأخيار فلا يدخل فيها كل الأبرار.
قوله:(عطف عَلَى المرفوع في [يدخلون] وإنما ساغ للفصل بالضَّمير الآخر أو مَفْعُول
معه) اعترض عليه بأن واو الْمَفْعُول معه لا تدخل إلا عَلَى المتبوع عَلَى ما نصوا عليه
انتهى. ويمكن الْجَوَاب بأن مقتضى اللَّفْظ وحَقيقَة معناه ربما يعدل عنه بالقرينة القائمة فيزاد
في مثل هذا مجرد المصاحبة لقام القرينة عليها واسْتعْمَال مع في مجرد المصاحبة مما
صرح به في مغني اللبيب.
قوله:(والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم
وتعظيمًا لشأنهم، وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة أو أن الموصوفين بتلك الصفات
يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم)قيل
على هذا الوجه لا دلالة فيه عَلَى أن دخولهم في زمان واحد بل إنهم بعد الدخول يجمع
بينهم وبين أهلهم تأنيسًا لهم انتهى. وحِينَئِذٍ ليس فيه دليل عَلَى أن الدرجة تعلو بالشفاعة
ولا يخفى أن الْمَعْنَى الأولى هُوَ المؤيد بقَوْلُه تَعَالَى في سورة الطور(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ
ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)الآية. وحمل الآية عَلَى هذا الْمَعْنَى الثاني
ليس فيه كثير فَائدَة؛ إذ الظَّاهر من كلامه أن من قرن بهم يكون مَوْصُوفًا بتلك الصفات بلا
فرق بينهم فمقارنتهم في الدرجات معلومة لاستوائهم في الْأَعْمَال والْإخْلَاص والْقَوْل بأن
المعلوم مساواتهم في الدرجات دون المقارنة والغرض من هذه الآية عَلَى هذا الاحتمال
الثاني إفادة المقارنة ضعيف ولذا أخَّره. وأَشَارَ إلَى ضعفه وإذا كان الظَّاهر من كلامه التساوي
في تلك الصفات فلا يعرف وجه قول الفاضل المحشي فإنه إذا قرن من هُوَ أدنى منهم فلأن
يقرن ما هُوَ مثلهم في تلك الصفات أولى، إلا أن يقال مراده أنه إذا صح الاحتمال الأول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بالشفاعة فإنه إذا جاز أن تعلو بمجرد التبعية للكاملين في الإيمان تعظيمًا لشأنهم فلأن تعلو
بشفاعتهم أولى كذا قيل. فلا يرد إشكال ابن كمال باشا فإن مراد الْمُصَنّف الدلالة بطَريق دلالة النص.