تعميم الأمر وأنهم قصدوا به أنفسهم قصدًا أوليًا وتعميم الأمر إلَى الغير للإشعار الْمَذْكُور .
قوله: (أي أيُّ عذر لنا) يعني إن ما في الأصل السؤال عن الماهية وهنا للاسْتفْهَام
عن جنس العذر بمعونة المقام ولا يراد حَقيقَة الاسْتفْهَام بل للإنكار والتعجب أي لا عذر
لنا في ترك التوكل فإنه واجب مع التذلل .
قوله: (في أن لا نتوكل عليه) أي مُطْلَقًا ويدخل فيه التوكل عليه في الصبر عَلَى
معاندتهم وسعاداتهم دخولًا أوليًّا . (وقد هدانا سبلنا) والحال أن ما يقتضي
التوكل ثابت لنا وهو أن يَهْدينا سبلنا فأنكروا العذر بطَريق برهاني ودليل لمي أو آني .
قوله:(التي بها نعرفه ونعلم أن الأمور كلها بيده وقرأ أبو عمرو بالتخفيف هَاهُنَا وفي
«العنكبوت» )أي الْمُرَاد بالسبل المعنوية التي توصل إلَى معرفة الله وهو الأدلة الْعَقْليَّة الآفاقية
والأنفسية الدَّالَّة عَلَى وجوده ووحدانيته وكمال علمه وسائر صفاته وهذه الهداية عامة
لجميع النَّاس لكن المنتفعون بها هم الخواص ونعلم أن الأمور كلها بيده وإذا كان كَذَلكَ
فلا يستحق التوكل إلا هُوَ فعلم أن الْكَلَام مسوق لحصر التوكل عليه وأن الْمُصَنّف سكت
عنه لظهوره. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف أي بسكون بناء سبلنا كما هُوَ الشائع في مثله كالرسل
بضمتين وبضم وسكون. قال الإمام: وهذه الآية دالة عَلَى أنه تَعَالَى يعصم أولياءه والمخلصين
في عبوديته عن كيد أعدائهم ومكرهم انتهى. اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين بل
المخلصين حتى ننجو من دسائس المجرمين أكدوا به توكلهم دفعا لتوهم أن التوكل كَيْفَ
يتم مع أن أذية الْكُفَّار مما يوجب الاضطراب والعثار فدفعوا عليهم السلام هذه الأوهام
مظهرين لكمال العزيمة عَلَى الصبر التام فالْجُمْلَة القسمية تذييل مؤكد لما قبله(جواب قسم
مَحْذُوف أكدوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الْكُفَّار عليهم).
قوله: (فليثبت المتوكلون عَلَى ما استحدثوه من توكلهم) أو له دفعًا لتوهم التكرار أو
فسره به لأنه أسند إلَى المتوكل بالْفعْل لا بالْقُوَّة أشار إليه المص بقوله عَلَى ما استحدثوه
مما أسند إلَى المتوكل بالْفعْل لا يراد به إلا الدوام والثبات .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فليثبت المتوكلون عَلَى ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم تفسيره
بمعنى الأمر بالثبوت عَلَى التوكل جواب عَمَّا يسأل ويقال: ما وجه تكرير الأمر بالتوكل؟ وحاصل
الْجَوَاب أن الأول مراد به طلب حدوث التوكل، والثاني مراد به الثبات عَلَى التوكل الأول الذي
استحدثوه فلا تكرار في الْحَقيقَة. فإنه إذا قيل لغير المتوكل توكل يكون معناه أحدث التوكل
وإن قيل للمتركل توكل يكون معناه أثبت عَلَى توكلك فاللام في المتوكلون للعهد التقديري
فإن الْمُرَاد الْمُؤْمنُونَ الْمَذْكُورون. السين في استحدثوه إشَارَة إلَى معنى الطلب المفاد بقوله:
( [فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] ) وقوله: من توكلهم المسبب عن إيمانهم إشَارَة إلَى
أن ترتب الحكم عَلَى الوصف في (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) يشعر بعلية الوصف للحكم عَلَى ما ذكر
من قوله عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل جعل الإيمان هناك موجبًا للتوكل وهَاهُنَا سببًا
له والسبب والموجب متناسبان معنى .