الجنة وجهنم ليستا من أفراد السماء ولا الْأَرْض. ولا يظهر وجه مقابلته لما قبله. والْقَوْل بأن
ذات الْأَرْض والسماء باقية والتغاير في الصّفَة لا يفيد لتبدل الجنس جنسًا آخر خصوصًا من
يقول إن الجواهر الفردة مخالفة الماهية وما يتركب منه لا يجوز أن يتركب منه الجنة والنَّار
إلا أن يقال: إن الْكَلَام مبني عَلَى قول من قال إن الجواهر الفردة متجانسة في الأجسام
مستوية في قبول الصفات المتقابلة فما يتركب منه الْأَرْض والسَّمَاوَات يجوز أن يتركب منه
الجنة والنَّار فالذات أي الأجزاء باقية والتبدل في الصّفَة .
قوله: (عَلَى ما أشعر به قَوْلُه تَعَالَى:(كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ)
وقوله: (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) وجه الإشعار خفي غير جلي ولقد
أغرب الإمام حيث قال والدليل عليه قَوْلُه تَعَالَى: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ) .
الآية؛ إذ الإشعار غير واضح فَكَيْفَ الدلالة .
قوله: (من أجداثهم) أي من قبورهم .
قوله: (لمحاسبته ومجازاته، وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة
كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب
لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار) لمحاسبته أي الْكَلَام بتقدير الْمُضَاف
ولم يذكر ما ذكره في قَوْله تَعَالَى (وبرزوا لله جميعًا) الآية. من قوله أو لله
على ظنهم لعدم مناسبته هنا ؛ إذ الظَّاهر أن ضمير برزوا هنا للخلائق قاطبة، وأما هناك فضميره
للكفار خاصة وإن جعل الضَّمير هنا للأشرار، فالْمَعْنَى الْمَذْكُور محتمل وسيجيء الإشَارَة إليه
من الْمُصَنّف للدلالة عَلَى أن الأمر أي أمر الحساب والْجَزَاء في غاية الصعوبة ولو بالنسبة
إلى المطيعين فلا دلالة عَلَى أن الْمُرَاد هم الْكُفَّار لأنهم إذا قاموا بين يدي الملك الجبار
والحال أنه ليس في الدار غيره ديار وواحد لا يشاركه في تدبيره وزير لا مشير وهو العظيم
القهار كانوا عَلَى خوف عظيم وخطير جسيم فإنه لا مغيث سواه ولا مجير ممن عداه، وأما
الشفاعة فبإذنه لمن يرضى له قولًا. ففي الْحَقيقَة لا مستغاث لأحد إلَى غيره ولا مستجار
أصلًا فلا ينافي ثبوت الشفاعة قطعًا. قوله أو أحد غلاب اسم فاعل بزنة المُبَالَغَة لكن لم
يسمع هذا الإطلاق بل الوارد هُوَ الغالب .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتوصيفه بالوصفين. يعني فَائدَة وصف الله عز وجل بالواحد القهار في هذا المقام هي
إفادة معنى صعوبة الأمر وشدته كانضمام قوله عز وعلا: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) .
(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) وفي الكَشَّاف فإن قلت: كَيْفَ قال الواحد القهار؟ قلت هُوَ كقوله
(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) لأن الملك إذا كان لواحد [غلاب] لا يغالب[فلا
مستغاث]لأحد إلى غيره ولا مستجار. كان الأمر في غاية الصعوبة والشدة .