فيه إيهام بأنها بعد خلقها فيها لم تكن كرة [خفيفة] وفيه ما فيه ؛ إذ ثبت في فن الهيئة أن أعظم
جبل في الْأَرْض وهو ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ نسبته إلَى جميع الْأَرْض نسبة خمس
سبع عرض شعيرة إلَى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن هذا القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة
الْمَذْكُورة عن صحة الاستدارة بحَيْثُ يمنعها عن سلاسة الحركة فكذلك ينبغي أن يكون
حال الجبال بالنسبة إلَى كرة الْأَرْض .
قوله:(وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك، أو أن تتحرك بأدنى سبب
للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو
المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة)وكان من حقها قيل إنه غير مسلم عند
الفلاسفة فإن للأرض ميلًا مستقيمًا وما يكون له ميل مستقيم لا يكون فيه ميل مستدير، ولهذا
ذهب بعضهم إلَى أن الْأَرْض لها حركة مستقيمة فأنى لها الميل المستدير للحركة المستديرة
وبعد التي [واللتيا] ما ذكره مبني عَلَى قواعد الفلسفة مع أنه مخالف لمذهبهم في إثبات الميل
المستدير. قال الفاضل المحشي ولعل الصحيح أن يقال خلق الله الْأَرْض مضطربة سائرة
لحكمة لا يعلمها إلا هُوَ، ثم أرساها بالجبال عَلَى جريان عادة في جعل الأشياء منوطة
بالْأَسْباب وبذلك يندفع ما استشكله الإمام في التَّفْسير الكبير .
قوله:(وقيل لما خلق الله الْأَرْض جعلت تمور فقالت الْمَلَائكَة ما هي بمقر أحد عَلَى
ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال)ما هي بمقر أحد (ما) نافية. مقر بفتح الميم اسم مكان
من القرار والباء زائدة هذا هُوَ الظَّاهر في مثل هذا المرام. وقيل إن الظَّاهر أن مقر اسم فاعل
من أقر أي لا تجعل لأحد قرارًا عَلَى ظهرها وهو تعسف ؛ إذ اعتبار الْأَرْض فاعلة للقرار عَلَى
ظهرها لا يخلو عن كدر .
قوله: (وجعل فيها أنهارًا لأن ألقى فيه معناه) أي أنهارًا مَعْطُوف عَلَى رواسي لكن
عامله ليس ألقى لأنه بمعنى الطرح لا ينتظم في الأنهار بل عامله جعل بمعنى خلق فتسلطه
عليه باعْتبَار ما فيه من معنى الجعل وهو مختاره حيث قال لأن ألقى فيه معنى الجعل أو
هذا من قبيل:
علفتها تبنًا وماء باردًا
قوله: (وسبلأ) أي طرقًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأن ألقى فيه معناه أي في معنى الجعل فهذا من باب التَّضْمين يعني لا يقال ألقى فيها
أنهارًا بل يقال أجرى فيها أنهارًا لكن لما تضمن ألقى معنى الجعل صح عطف أنهارًا عَلَى رواسي.
ويجوز أن يكون هذا من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا. حيث عطف ماء باردًا عَلَى تبنًا. الماء ليس مما
[يعلف] به الدابة فوجب أن يأول بأن يكون معناه وسقيتها ماء باردًا. وذلك هُوَ معناه المآلي وإلا فهو
من عطف المفرد عَلَى المفرد والتأويل إنما هُوَ بالرجوع إلَى جعله من عطف الجمل وكَذَلكَ عطف
سبلًا عَلَى أنهارًا إنما هو بتضمين ألقى معنى الجعل أي وجعل فيها سبلًا .