قوله: (ومِن الأولى تبعيضية لأن اللَّبَن بعض ما في بطونها) جمع البطون من قبيل
انقسام الآحاد إلَى الآحاد إن أريد بمرجع الضَّمير في بطونه البعض كما هُوَ الظَّاهر أو
الجنس وإن أريد له الواحد منها فالْمُرَاد بالبطون الأشياء التي في باطنه مَجَازًا بطَريق إطلاق
اسم المحل عَلَى الحال فيه ومنه ظهر ضعف ما هُوَ الْمُرَاد الواحد مع أن كون الإسقاء من
بطون واحد من الأنعام غير واضح المعنى إلا أن يراد الواحد بالنوع وهو الأنثى منها فـ [حِينَئِذٍ]
يبقى البطون في معناها وكون (مِنْ) ابتدائية وكون المجرور الثاني بدلًا من الأول تكلف .
قوله:(والثانية ابتدائية كقولك سقيت من الحوض لأن بين الفرث والدم المحل الذي
يبتدئ فيه الإسقاء)المحل إن قرئ بالرفع عَلَى أنه خبر إن فلفظ بين يكون اسم إن لأنه
ليس بلازم الظرفية كما سيجيء تحقيقه في سورة العنكبوت وقد صرحوا به في قَوْله تَعَالَى:
( [لَقَدْ] تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) وإن قرئ بالنصب يكون اسم إن فيكون ظرفًا متعلقة
خبر إن. قوله يبتدئ منه الإسقاء فيه نوع، إلا أن يقال إن تكونه لما كان بين الفرث والدم كان
مبدأ الإسقاء .
قوله:(وهي متعلقة بـ نُسْقِيكُمْ أو حال من لَبَنًا قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه
موضع العبرة)متعلقة بـ نُسْقِيكُمْ ومن الأولى متعلقة له أَيْضًا وجاز ذلك لاخْتلَاف معناهما
قوله: لتنكيره علة لتقديمه علة موجبة وللتنبيه علة مصححة وكونه مَوْضع العبرة أي محلها ؛ إذ
العبرة كون اللَّبَن الخالص في بينهما مع المنافاة بينها .
قوله:(صافيًا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث، أو مصفى عما
يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرج)الفرت أي السرجين ولا لونه أَيْضًا لعل هذا
الْقَوْل بناء على ظَاهر ما نقل عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - فإنه أدل عَلَى القدرة
التامة وهذا أولى مما قال بعض العلماء كما نقله الفاضل المحشي مبنى هذا الْكَلَام هُوَ وهمٌ
كون محل اللَّبَن بين الفرث والدم وإلا فأين مَوْضع تولد اللَّبَن من محل الفرث لأنه لا استبعاد
في تولد اللَّبَن بين الفرث والدم عند من اعترف [بخوارق] العادات ثم الجذب إلَى المحل الذي
بينه أرباب الطب وقد عرفت أن استدلالهم عَلَى ذلك بالحس وقد بانَ ما فيه فالتَّعْبير بالوهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهي متعلقة بـ نُسْقِيكُمْ ولا ينافي ذلك تعلق من الأولى التبعيضية بـ نُسْقِيكُمْ أيضًا
لاخْتلَاف المَعْنَيَيْن فإن مِن الأولى تبعيضية وهذه لابتداء الغاية ويجوز تعلق حرفي جر بمعنى واحد
بمتعلق واحد إذا كان الحرف الثاني متعلقًا بما يتعلق به الأول مقيدًا بالتعلق بالحرف الأول فيكون
المتعلق في الأول مُطْلَقًا وفي الثاني مقيدًا فيختلف المتعلقان إطلاقًا وتَقْييدًا كما في قولك: أكلت
من البستان من العنب. والْمَعْنَى أكلت من العنب أكلًا مبتدأ من البستان وفي هذا المثال للابتداء في
الموضعين بخلاف ما نحن فيه فيكون أولى بالجواز .
قوله: وللتنبيه عَلَى أنه مَوْضع العبرة ليكون التقديم للاهتمام به والعناية بذكره أولًا .
قوله: صافيًا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث. وسئل شقيق عن الْإخْلَاص فقال تمييز
العمل من العيوب كتمييز اللَّبَن من بين فرث ودم .