الأثر كلموا النَّاس عَلَى قدر عقولهم، والْمُرَاد بخواص الأمة هم المستعدين لفهم البرهان
اليقيني والمقدمات [اليقينية] والعوام هم الَّذينَ قاصرون عن درك الحقائق والمقدمات القطعية
قيل وإليه أشار بقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ أمرنا معاشر الْأَنْبيَاء أن تكلم النَّاس عَلَى قدر عقولهم
والْمُرَاد بالأمة أمة الدعوة أو أعم منها ومن الإجابة فالخواص والعوام هنا شاملة لهم
بالْمَعْنَى الْمَذْكُور فلا تغفل ؛ إذ المقصود قبول النصيحة وعدم الخفاء عليهم إنه بناصحهم
ويقصد بها ما ينفعهم وإرشادهم إلَى الحق والصواب فبأي طريق يحصل المقصود يجب
الميل إليه وإيثار الواو مع أن الظَّاهر لفظة (أَوْ) إذ الجمع في مطلق الدعوة لازم وإن كان
أحدهما في حصول الدعوة وكذا الْكَلَام في قولهم وجادلهم .
قوله: (وجادل معانديهم) مرجع الضَّمير الْمَفْعُول الْمَحْذُوف لأنه كالْمَذْكُور وغير
الأسلوب حيث لم يجئ بالمجادلة كما هُوَ الظَّاهر لأن المجادلة من قبيل الدعوة للتنبيه
على أن دعوتهم نوع مغاير لدعوة الفريقين الأولين قدر الْمُضَاف وهو المعاند لأن الجدال
مختص بهم ولظهوره لم يذكر في النظم الكريم .
قوله: (بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين) بالطريقة التي الخ.
أي التي صفة لمَوْصُوف مَحْذُوف هي أحسن الطرق الظَّاهر أن أفعل التَّفْضيل بمعنى أصل
ولا ضير في إبقائه عَلَى أصله.
قوله: (وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر) أي المسلمة عندهم لشهرتها
أو لكونها مقبولة لديهم لا مساغ لإنكارها وأشير بها إلَى المجادلة بالمقدمات الفاسدة
المموهة التي قصد بها الحيل الباطلة ممنوعة لا سيما في الأمور الدينية فإنها طريقة غير
مستحسنة وأشنع القبائح المنفورة وديون صاحب الأهواء الرديئة الزائغة .
قوله: (فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم) فيه اسْتعَارَة لطيفة .
قوله: (وتبين شغبهم) بفتح الشين الْمُعْجَمَة وبفتح الغين الْمُعْجَمَة والسكون في الغين
أكثر اسْتعْمَالًا هُوَ تهييج الشر لكن الْمُرَاد به هنا البشر والفساد لا تهييجه وتحريكه. قوله فإن
ذلك أنفع إشَارَة إلَى أن المجادلة من الدعوة المأمور بها وإنها عَلَى وجه الصواب ممدوحة
والفرق بين الموعظة والمجادلة إن الموعظة دليل مركب من مقدمات خطابية ذكرت
للترغيب والترهيب والمجادلة قياس مؤلف من مقدمات مسلمة عند الخصم والفرق منها
إلزام الخصم المعاند .
قوله: (إن ربك هُوَ أعلم) خاطب النَّبيّ واختار اسم الرب لمزيد اللطف له والتَّنْبيه
على أن أهل الضلال معزول عن الخطاب والتَّأْكيد للمُبَالَغَة في تحقق مضموم الْجُمْلَة وما
يراد بها وضمير الفصل للتقوية والتَّخْصِيص خلاف الْمُتَبَادَر، لكن الظَّاهر من كلام الْمُصَنّف
القصر واختيار الْجُمْلَة الاسمية في الْمَعْطُوف تنبيهًا عَلَى أن الاهتداء إنما ينفع إذا كان
مستمرًا ثابتًا إلَى الموت وإحداث الضلال مضر محبط الْأَعْمَال أو إنه حادث بتغير الفطرة
التي فطر النَّاس عليها .