يعاديهم والتخلق حِينَئِذٍ الصفح عن المقابلة والمعاملة بالحسنة ودفع السيئة بالحسنة ما لم
يؤد إلَى ترك الحدود وفوت المقصود فإذا شارفت العداوة هذا المقام يجب الغلظة عَلَى
وجه الاهتمام.
قوله: (فإن الدعوة لا تنفك عنه) فإن الدعوة أي إلَى سبيل الحق لا تنفك أي في
الأكثر أو في عموم الأوقات ولو بالْجُمْلَة عنه أي عن المناسبة والتذكير باعْتبَار أن تاء
المصدر غير متمحضة في التأنيث أو عن من يناصبهم. قولهم من حيث إنها أي الدعوة.
قوله:(من حيث إنها تتضمن رفض العادات، وترك الشهوات والقدح في دين الأسلاف
والحكم عليهم بالكفر والضلال)تتضمن رفض العادات أي تكليف رفضها. قوله والقدح
مَعْطُوف عَلَى الْمُضَاف المقدر في رفض العادات لأن القدح أي الطعن كصفة الداعي
[للتكليف] والرفض أي الترك صفة المدعو فلا بعطف القدح عليه إلا بتقدير الْمُضَاف وكل
ذلك مورث للعداوة.
قوله:(وقيل إنه عَلَيْهِ السَّلَامُ لما رأى حمزة رضي اللَّه عنه وقد مثل به فقال «والله لئن
أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك» فنزلت فكفر عن يمينه)فحِينَئِذٍ مناسبتها لما قبلها هي
أي تلك القصة لما دلت عَلَى أن الاخْتصَاص إنما يكون بمثل الجناية لا يصح زيادته علم
أن الحاصل من الأذى بسَبَب الدعوة إنما يصح مجازاته بالمثل دون الزّيَادَة فيظهر ارتباطه
بما قبله مرضه مع أنه قال الْقُرْطُبيّ أطبق أهل التَّفْسير عَلَى أن هذه الآية مدنية نزلت في
شأن حمزة والمثلة به لأنه يخالف ظاهره بما قبله وإن وافق مآله فالحق أحق أن يتبع
ورفض ما هُوَ مَشْهُور مستحسن دونه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإن الدعوة لا تنفك عنه. الضَّمير في عنه عائد إلَى من يناصبهم أي يخالفهم ويجوز أن
يعود إلَى مصدر يناصب عَلَى تأويل أن مع الْفعْل أو باعْتبَار النصب وهو التعب والمشقة اللازمان
للمعادي المخالف.
قوله: قد مُثل به. عَلَى لفظ المبني للمَفْعُول من المَثُلة بفتح الميم وضم الثاء بمعنى العقوبة
وإنَّمَا سميت العقوبة بالمثلة لأن العقوبة فعل مماثل للفعل الذي عوقب عليه، ولذا سمي القود مثله
يقال أمثل السلطان فلانًا إذا قتله قودًا. والمثلة بالضم والسكون النكال ومعناها قريب من معنى المثلة
بالفتح وضم التاء روي أن الْمُشْركينَ مثلوا بالْمُسْلمينَ يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم ما
تركوا أحدًا غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب فوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حمزة وقد مثل به وروي
فرآه مبقور البطن فقال"أما والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم لامثلن بسبعين مكانك"فنزلت هذه
الآية. فكفر عن يمينه وكف عَمَّا أراده، وفي الكَشَّاف ولا خلاف في تحريم المثلة.
قوله: وقد وردت الْأخْبَار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور.