قوله: (وفيه دليل عَلَى أن لا وجوب قبل الشرع) أي لا وجوب عَلَى المكلف قبل
ورود الشرع عقلًا فإنه لو وجب عقلًا لزم من تركه أن يعذب وقد قال تَعَالَى:(وَمَا كُنَّا
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)واللازم باطل فالملزوم مثله وغرضه رد المشايخ
الماتريدية وتشنيع المعتزلة أما المعتزلة فظَاهر حيث قَالُوا إن العقل يحكم بوجوب الشيء
ونحوه بناء عَلَى الْقَوْل بالحسن العقلي والقبح العقلي، وأما مشايخنا فقد ذهبوا إلَى الحسن
والقبح [العقليين] مع أن كون الحاكم هُوَ اللَّه تَعَالَى وادعوا أن مثل وجوب تصديق النَّبيّ عليه
السلام إن توقف عَلَى الشرع يلزم [الدور وإن لم يتوقف] عَلَى الشرع يكون واجبًا عقلًا فيكون
حسنًا عقلًا فيكون الرَّسُول عامًا للعقل، ولهذا ذهب الإمام أبو حنيفة أن من لم يبلغه الدعوة أن
لم يصدق بوجود الله تَعَالَى ووحدانيته يخلد في النَّار لكونه عاقلًا فجعل الرَّسُول عامًا للعقل
قال المحقق صدر الشريعة إن أنكر الأشعري الحسن والقبح العقليين بمعنى أنه لا يوجد في
الْفعْل شيء يثاب الْفَاعل أو يعاقب لأجله عَلَى طريق الوجوب فنحن نساعده في هذا، وإن عنى
به أنه لا يكون في معرض ذلك فغير مسلم ثم بينه بما لا مزيد عليه ومن أراد التَّفْصيل في
هذا المقام فليراجع إلَى المقدمة الأربعة فإن أراد أنه لو وجب عقلًا لزم من تركه أن يعذب
لكن اللازم محال وكذا الملزوم لزم أن يعذب وجوبًا لا نسلم الملازمة، وإن أراد أنه في
معرض العذاب سلمنا لكن لا نسلم بطلانه والمستند ظَاهر مما ذكرناه .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفيه دليل عَلَى أن لا وجوب قبل الشرع. فالآية رد عَلَى قول من قال النظر في
معرفة الله واجب عقلًا منهم المعتزلة ، ولما دلت الآية عَلَى خلاف مذهبهم أخرجوا الْكَلَام عن
ظاهره كما قال صاحب الكَشَّاف الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرَّسُول لأن معهم أدلة العقل التي
لها يعرف الله وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما
منهم وبعثة الرَّسُول منبهة عَلَى النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، وهذا كما ترى خروج عن
الظَّاهر. قال صاحب الانتصاف: هذا مذهب باطل اعتزالي ومذهب أهل السنة أنه لا حكم قبل
الشرع ولا تكاليف إلا به ولا [تحب] الحجة إلا بالبعثة والآية دالة عليه فلا معنى لتحريفها. وقال
محيي السنة: وفي الآية دليل عَلَى أن ما وجب بالسمع لا بالعقل. وعن الواحدي ويؤيده قوله
تَعَالَى: (رسلًا مبشرين ومنذرين) فلا يكون للناس عَلَى الله حجة لأن البشارة
والنذارة إنما يكونان بالجنة والنَّار والعقل لا مجال له في إثباتهما واعلم أن قَوْلُه تَعَالَى:(مَنِ
اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)توكيد لمعنى تلك الآية وأن
كل مكلف مرهون بعمله وعمله كالقلادة في عنقه غير منفك عنه لا يفارقه ولا يتعدى إلَى غيره ثم
جاء (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) تقريرًا لهذا الْمَعْنَى ومفهوم ذلك كله أنه تَعَالَى
بين للمكلف ما عليه وماله وما يحتاج إليه وما خلق لأجله إزالة للأعذار ثم أتى بقوله:(وَمَا كُنَّا
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)تذييلًا لها وتقريرًا لإزالة الأعذار .