قوله: (لأنه دعامة البدن وأصل بنائه ولأنه أصلب ما فيه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن)
حاصله أن التَّخْصِيص لأنه يدل عَلَى ضعف بدنه عَلَى طريق المُبَالَغَة فلو قال إني وهنت أو
وهن بدني لفات المُبَالَغَة المقصودة، ولذا قال كان ما ورائه أوهن وهو أَيْضًا كناية وهي أبلغ
من التصريح الدعامة بكسر الدال العمود الذي يوضع عليه البناء والخيمة فهو إشَارَة مكنية
وتخييلية وهذا أولى من كونها اسْتعَارَة مصرحة.
قوله:(وتوحيده لأن المراد به الجنس، وقرئ «وهن» و «وهن» بالضم والكسر ونظيره كمل
بالحركات الثلاث)أي إفراده دون جمعه مع أنه يظن أن المقام مقام الجمع لأن الْمُرَاد به
الجنس الذي هُوَ العمود قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان القصد إلَى معنى آخر وهو أنه لم
يهن منه بعض عظامه بل كلها كذا في الكَشَّاف ومراده أن الذي أصابه الوهن ليس بعض
عظامه فقط ولكن كل فرد منها أصابه الوهن كذا قاله الفاضل المحشي، لكن هذا البيان ليس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
كنى عنه بقوله: (وهن العظم مني) وخص العظم بالذكر لأنه كالأساس للبدن
وكالعمود للبيت وإذا وقع الخلل في الأساس تداعى الخلل في البناء وسقط البيت فيكون هذا
الْكَلَام كناية مبنية عَلَى التشبيه.
قوله: ولأنه أصلب ما فيه أي ولأن والعظم أصلب ما في البدن فيلزم من وهنه وهن جميع
الأعضاء بالطريق الأولى فالكناية عَلَى هذا غير مبنية عَلَى التشبيه بل عَلَى اللزوم فقط.
قوله: وتوحيده لأن الْمُرَاد به الجنس، فالْمَعْنَى الجنس الذي هُوَ دعامة البدن وأصلب بنائه قد
أصابه الوهن. قال صاحب الكَشَّاف: وحده لأن الواحد هُوَ البدل عَلَى الْمَعْنَى الجنسية وقصده إلَى أن
الجنس الذي هُوَ العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصدًا
إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. يعني إذا جمع يوهم الْكَلَام ما هُوَ
المقصود وليس مراده أنه لو جمع أفاد أن الوهن إنما تعلق بالمجموع من حيث هُوَ غير شامل لكل
فرد من أفراد العظم، والْمُرَاد شموله بل مراده أن الْكَلَام إذا كان منصبًا إلَى غرض من الأغراض
جعل سياقه له وتوجهه إليه وكان ما سواه مرفوضًا مطرحًا وعلى هذا نص في الكَشَّاف في سورة
يس ومقصود زكريا عَلَيْهِ السَّلَامُ من إيراد الْكَلَام إظهار الضعف في البدن وإبداء تساقط القوى أَلَا
[تَرَى] إلَى أداة الحصر في قوله لأنه عمود البدن وبه قوامه يعني ليس ذكر العظم وتوحيده لأن يكون
شاملًا لجميع أفراده حتى لو جمع فات معنى الشمول بل ذكر لأن ينبه عَلَى أن هذا الجنس الذي
هو عمود البدن وبه قوامه قد أصابه الوهن فإن في هذا القصد وهو قصد الجنس إثباتًا لضعف البدن
بالبينة لأن الْكَلَام أفاد أن الوهن إذا أصاب ما به قوام البدن وأصل بنائه يكون ما سواه أوهن
بالطريق الأولى وهذا الْمَعْنَى لا يوجد إن جمع العظم؛ إذ حِينَئِذٍ ينسحب الْمَعْنَى إلَى غرض آخر غير
مقصود وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه فقط ولكن وهن كلها، ربما ذكر من توجيه كلام صاحب
الكَشَّاف سقط اعتراض صاحب الفرائد بأن قال ذكر في أصول الفقه إن اللام إذا دخلت عَلَى
الجميع بطلت الجمعية وتعلق [الحكم] بكل فرد فرد باعْتبَار الحكم الجنس. سلمنا أن الجمعية لم
تبطل ولكن من أين يلزم الْمَعْنَى الذي ذكره وهو القصد إلَى أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن
كلها. إلَى هنا كلام الفرائد. انظر كَيْفَ حمل كلام ذلك الْفحل المصقع عَلَى خلاف مراده ثم اعترض
عليه عَلَى فهمه منه.