خلفها (خالية) عن الاستعداد بالإدراك ؛ إذ الختم مستلزم لخلو الإدراك فيكون مَجَازًا مرسلًا
وتمكن الاسْتعَارَة التبعية وعلى التقدير الثاني هُوَ مجاز عن إحداث الهيئة التي هي تمرنهم
على استحباب الكفر. وقيل هُوَ محمول عَلَى معناه الحقيقي، ولا يخفى ضعفه و (الفطن)
بكسر الفاء وفتح الطاء جمع فطنة وهي جودة قوة الذكاء تهيئ لتصوير ما يرد عليها من
الغير قوله (أو قلوب مقدرة) بالجر صفة قلوب وجعل مذكرًا لأنه صفة جرت عَلَى غير ما
هي له (خَتَمَ اللَّهُ عليها) مصدر فاعله.
قوله: (ونظيره سالَ به الوادي إذا هلك) أي نظير ما نحن فيه في أن الْكَلَام بجملته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
سمعهم وعلى أبصارهم بيان أن قلوبهم وأسماعهم مختوم عليها فعبر عن هذا الْمَعْنَى بختم المبني
للفاعل عَلَى طريق الْمَجَاز المبني عَلَى الكناية لا عَلَى الكناية لعدم جواز إرادة الْمَعْنَى الحقيقي للختم
ولا بد في إفادة هذا الْمَعْنَى المجازي أن يعبر بختم المبني للفاعل لأن ذلك الْمَعْنَى متفرع من الكناية
إنما يستفاد من الخاتمة لينتقل منها إلَى المحو انتقالًا من الملزوم إلَى اللازم وليس هذا الانفعال في
لفظ ختم المبني للمَفْعُول فمعنى قوله القصد إلَى صفة الْقُلُوب لأنها كالمختوم عليها أن الْمُرَاد بختم
الله عَلَى قُلُوبهمْ القصد إلَى كون قلوبهم كالمختوم عليها لا إلَى أن الله تَعَالَى ختمها حَقيقَة، وإنَّمَا أسند
الختم إلَى الله تَعَالَى مع أن حَقيقَة الختم غير مرادة ليدل بطَريق الْمَجَاز المبني عَلَى الكناية عَلَى أن
قلوبهم كالمختوم عليها لأن مختومية الْقُلُوب يلزمها أن يكون الله تَعَالَى خاتمها كما قلوب الأغتام أو
قلوب البهائم أو قلوب مقدر يخَتَمَ اللَّهُ عليها فالقصد إلَى المختومية لا إلَى الخاتمية فأريد بلفظ ختم
مع ما يتعلق به مختومية الْقُلُوب والأسماع لا خاتمية الله تَعَالَى، فعلى هذا لا قصد هَاهُنَا إلَى فعل من
الله تَعَالَى لا حَقيقَة ولا مَجَازًا عَلَى مذهبه كما قال في الوجه الثاني وليس له عز وجل فعل في
تجافيها عن الحق ونبوها عن قبوله وهو متعالٍ عن ذلك، وإنما القصد إلَى صفة الْقُلُوب أنها كالمختوم
عليها وأن الله تَعَالَى كالخاتم عليها، وأما قوله، وَأَيْضًا وكون الشيء مختومًا عليه الخ. فمدفوع لأن اللزوم
بين الْمَعْنَى المجازي وبين الْمَعْنَى الموضوع له اللَّفْظ كائن لا محالة في جميع أنواع المَجَاز مُرْسَلًا
كان أو اسْتعَارَة واعتبار اللزوم بين المَعْنَيَيْن لا ينافي كون اللَّفْظ بملاحظة التشبيه اسْتعَارَة في الْمَعْنَى
المجازي ألا ترى أن لفظ المرسل المستعمل في أنف الْإنْسَان عَلَى التشبيه اسْتعَارَة عندهم مع أنه من
باب اسْتعْمَال المقيد في المطلق والحال أنه بدون اعتبار التشبيه من باب الْمَجَاز الْمُرْسَل وأقول يمكن
أن يذكر هَاهُنَا وجه آخر غير الْوُجُوه الْمَذْكُورة وهو أن يستعار الختم للإقدار والتمكين عَلَى الإعراض
الكلي عن الحق الموجب لعدم نفوذه ووصوله إلَى محال القبول تشبيهًا لإعطاء القدرة عَلَى ذلك
الإعراض الساد لطرق النفوذ بالختم، فعلى هذا يكون من الله تَعَالَى فعل وهو الإقدار والتمكين عَلَى
ذلك وإقدار الله تَعَالَى عَلَى ذلك ليس بقبيح منه عندنا وعندهم.
قوله: أو قلوب مقدر خَتَمَ اللَّهُ عليها وهي قلوب ذوي العقل، وإنَّمَا فسرنا هذه بقلوب ذوي
العقل لأنه لا يجوز وجود الختم من الله فيهم عند المعتزلة إلا أن يقدر ويفرض فرضًا بخلاف
قلوب البهائم والزَّمَخْشَريّ جعل الأغتام من الَّذينَ خَتَمَ اللَّهُ حَقيقَة عَلَى قُلُوبهمْ وهم من النَّاس
الجهال الَّذينَ لا يفقهون شَيْئًا أو الَّذينَ لا يفصحون ما من الغتمة وهي العجمة في المنطق فيلزم
خرم مذهبهم لأن ذلك منع اللطف من العبد وهم لا يجوزونه.
قوله: ونظيره سالَ به الوادي إذا هلك وطارت به العنقاء إذا طالت غيبته كونهما نظيرين له