والثاني لازمه لأن من كثر تصديقه كان الصدق في تصديقه فعلم منه أن الأول مُبَالَغَة في
الكَيْف والكم معًا لأنه لما كان من كثر تصديقه كان الصدق في تصديقه كان الصدق عامًا له
ولغيره، [فتكون] المُبَالَغَة في الكَيْف والكم وقد ظهر أَيْضًا أنه ليس مراده أن الصديق إما مُشْتَق
من الثلاثي أو من المزيد لعدم صحته بل مراده أنه مُشْتَق من الثلاثي والتعرض لكثير
التصديق لكونه من أفراد كثير الصدق ولشرافته أفرد بالذكر، وعلى نسخة الواو إما عطف
تفسيري له أو إشَارَة إلَى الوَجْهَيْن الْمَذْكُورَين عَلَى أن الواو بمعنى أو. وعلى نسخة بدون
العطف يتعين كونه تفسيريًا له فـ [حِينَئِذٍ] يكون تفسير كثير الصدق بكثير التصديق للتنبيه عَلَى أنه
أعظم أفراده وهو أولى بالاعتبار في مقام المدح (استنبأه الله تَعَالَى) .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً(42)
قوله: (بدل من إِبْراهِيمَ وما بينهما اعتراض، أو متعلق بـ كانَ أو بـ صِدِّيقًا نَبِيًّا) بدل من
إبْرَاهيم أي بدل اشتمال وما بَيْنَهُمَا اعتراض وفائدته المدح بكثرة صدقه كيفًا وكمًا وأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: (إذ قال) بدل من إبْرَاهيمَ بدل الاشتمال، أو بدل الكل عَلَى الوجه الذي مر في قوله
تَعَالَى: (واذكر في الْكتَاب مريم) .
قوله: (إذ قال) بدل من إبْرَاهيمَ وما بَيْنَهُمَا اعتراض. قال صاحب الكَشَّاف وهذه الْجُمْلَة وقعت
اعتراضا بين والمبدل منه وبدله أعني إبْرَاهيم، وَإذْ قَالَ نحو قولك: رأيت زيدا ونعم الرجل أخاك. قال
صاحب الفرائد: كون الْجُمْلَة اعتراضًا بين البدل والمبدل منه بدون الواو بعيد عن الطبع وعن
الاسْتعْمَال والذي ذكره من النظير ليس بمستعمل وهو مع ذلك بالواو ويمكن أن يقال إنه كان
صديقًا في مقام التعليل كأنه قال: واذكره لقومك لأنه كان صديقًا نبيًا، ثم ابتدأ وقال: إذ قَالَ. أي اذكر
لهم ما قال لأبيه كأنه بيان لبعض ما يكون له صديقًا نبيًا والعامل في إذ اذكر والوقت في هذا قائم
مقام الْمَفْعُول به. إلَى هنا كلامه. قيل عليه أما قوله كون الْجُمْلَة اعتراضًا بدون الواو بعيد فكلام من
لم يحقق معنى الاعتراض وهو أن يؤتى في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة لا محل
لها من الإعراب ومرجعه إلَى التَّأْكيد وهو يأتي تارة بالواو كقوله:
إنَّ الثَّمانينَ وبُلِّغْتَها ... قد أحْوَجَتْ سَمعي إلى تَرْجُمانْ
وأخرى بلا واو نحو قَوْلُه تَعَالَى(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ[سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا
يَشْتَهُونَ)] ومن القبيلين قَوْلُه تَعَالَى (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75) وَإِنَّهُ
لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) . وإن قوله: (لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) جملة
اعتراضية وقعت بالواو بين القسم الذي هُوَ (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) وبين جوابه
الذي هُوَ (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) وقوله: (لَوْ تَعْلَمُونَ) اعتراض وقع بلا
واو بين الْمَوْصُوف الذي هُوَ (لَقَسَمٌ) وبين صفته التي هي (عَظِيمٌ) هذا إذا كان (إذ قال) بدلًا من إبْرَاهيم
وإذا كان متعلقًا بـ كان أو بـ صِدِّيقًا كان تعليلًا .
قوله: أو متعلق بـ كان هذا عَلَى تقدير كون كان تامة لا ناقصة فإن الأفعال الناقصة لا يتعلق
بها شيء من الظروف وحروف الجر لأنها في التقدير قيود لأخبارها ليس فيها معنى الحدث فمعنى
قولك: كان زيد قائمًا زيد قائم في الزمان الْمَاضي .