المدرك هُوَ النفس والقوى آلة لها. قال الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَمَا أُوتيتُمْ منَ
الْعلْم إلَّا قَليلًا)تستفيدونه بتوسط حواسكم انتهى. والْمُرَاد بالإدراك هنا
العلم وإلا فيحمل الْكَلَام عَلَى ظاهره (وقد يطلق مَجَازًا عَلَى الْقُوَّة الباصرة) أي البصر في
الأصل مصدر بمعنى إدراك العين وإحساسها كما في كتب اللغة ثم تطلق عَلَى الْقُوَّة الباصرة
التي هي سبب الإدراك مَجَازًا مرسلًا (و) تطلق أَيْضًا (عَلَى العضو) وهو العين لأنه محل
الإدراك وشاع هذا حتى صار حَقيقَة عرفية (وكذا السمع) إدراك الأذن وهو الإدراك
الْمَخْصُوص المتعلق بالأصوات لأنه مصدر فهو حَقيقَة فيه وفي الْقُوَّة السامعة مجاز وفي
العضو الذي هُوَ الأذن أَيْضًا مجاز والعلاقة مثل ما ذكر في البصر الأوفق للنظم بيان السمع
أولًا ثم البصر ثانيًا بل الأظهر بيان القلب أولًا إلا أنه راعى في البيان كونهما مبادي للقلب
وأما التقديم في النظم الجليل فلأن الختم فيه أشد تأثيرًا في عدم نفوذ الحق، أَلَا [تَرَى] أنهما
إذا طرى الآفة عليهما لا يتقاعد القلب عن الفهم بالكلية بخلاف العكس أو لأن القلب
طويل الذيل، وأما تقديم البصر في البيان فلا يعرف له وجه وجيه ثم إن الْمُصَنّف عدل عما
في الكَشَّاف وهو أن البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات كما أن
البصيرة نور القلب وهو ما به يستبصر ويتأمل وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله تَعَالَى
آلتين للإبصار والاستبصار فإن ما ذكره ليس مجزومًا به في اللغة، وأما إدراك العين فهو
مجزوم به في اللغة قال قدس سره نور العين هي الْقُوَّة التي هي الإبصار كما أن نور القلب
هو الْقُوَّة التي بها التعقل والأفكار، فعلى هذا يكون الْمُرَاد ما أشار إليه الْمُصَنّف وقد يطلق
على الْقُوَّة الباصرة مَجَازًا لكن المُتَعَارَف ما اختاره المص من أنه عبارة عن إدراك العين الخ
قوله: كأنهما لفظ كأن فيه ليس للتشبيه بل للظن والتخمين الذي أكثر اسْتعْمَاله فيه؛ إذ المراد
بالجوهر الجسم اللطيف النوراني لا ما هُوَ قائم بذاته ذهابًا إلَى جعل القوى من قبيل الصور
النوعية دون الإعراض نظيره كالنور الذي هُوَ حال في الجمرة فإنه جسم لطيف فكذا هنا ولا
حاجة إلَى جعل القوى من قبيل الصور النوعية فإن الصور النوعية من مفتريات الفلاسفة .
قوله: (ولعل الْمُرَاد بهما في الآية. العضو لأنه أشد مناسبة للختم والتغطية) أي الأذن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
بالتخمين والظن من غير قصد إلَى التشبيه قيل معنى الجوهر هنا القائم بذاته ذهابًا إلَى أن القوى
صور نوعية لا إعراض والظَّاهر أنه لم يقصد سوى جوهر لطيف نوراني وقال الشريف الجرجاني
رحمه اللَّه، والْمُرَاد بالجوهر الجسم اللطيف النوراني لا ما هُوَ قائم بذاته ذهابًا إلَى جعل القوى من
قبيل الصور دون الأعراض وقال صاحب الكشف ليس دخول كأن للتشبيه بل لأنه غير جازم أو
متأدب حيث لم يسبق نقل وهذه عادة العلماء المتقين وإطلاق الجوهر عليهما عَلَى رأي من يجعل
القوى جواهر وعلى رأي غيره الْمُرَاد بالجوهر نفس الْحَقيقَة فإنه أيضًا اصْطلَاح شائع وإلى حَقيقَة
اللغوية أقرب
قوله: ولعل الْمُرَاد بهما في الآية. العضو كلمة لعل لعدم القطع بذلك لاحتمال أن يكون
بمعنى المصدر ويقدر مضاف ليناسب الختم .