نفسها ليس بمسلم عَلَى إطلاقه كَيْفَ وقد قال الله تَعَالَى: (وسارعوا إلَى مغفرة منْ رَبّكُمْ)
الآية. وهذا عجب ؛ إذ العجلة كما عرفت طلب الشيء وتحريه قبل وقته
والمسارعة فعل الشيء في أول أوقاته وهي ممدوحة والعجلة كلها مذمومة. والغلط إنما نشأ
من إطلاق العجلة عَلَى المسارعة مَجَازًا بعلاقة القرب والمجاورة ومعنى في نفسها ما
ذكرناه لا بمعنى قطع النظر عَمَّا يقتضي حسنها لما عرفت أنه لا حسن لها أصلًا. قوله وإيهام
التعظيم عليهم أي ربما يتوهم أنه يعظم عن صحبتهم ولذا تركهم .
قوله: (فلذلك أجاب موسى عن الأمرين وقدم جواب الإِنكار لأنه أهم) عن الأمرين
الأول السؤال الظاهري والثاني إنكار العجلة، وقد عرفت أن السؤال ليس بمراد لاستحالته بل
الْمُرَاد إنكار تحقق السبب في نفس الأمر وهو مستلزم لإنكار العجلة فإن انتفاء السبب
المطلق مستلزم لانتفاء المسبب لكن المسبب أعني العجلة تحققت فيكون إنكاره للتوبيخ
لكن إنكار السبب إنكار للوقوع، ولما كان هذا سؤالًا بحسب الظَّاهر. قال المص: أجاب
بحسب الصورة. قوله قدم جواب الإنكار لأنه أهم والْجَوَاب (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) الخ. إذ
حاصله أنهم قريبة مني وبعدهم لا يعتد بعدًا في العادة والعرف وظننت واجتهدت أن مثله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فلذلك أجاب هُوَ من عن الأمرين وقدم جواب الإنكار لأنه أهم أي فلكون(ما
أعجلك عن قومك)سؤالًا عن العجلة متضمنًا لإنكارها. أجاب مُوسَى عن هذين
الأمرين وكما السؤال عن العجلة وإنكارها لكن قدم جواب الإنكار عَلَى جواب السؤال عن
العجلة لكونه أهم. وجه الاهتمام أن في إنكار العجلة عتاب المولى وهو أمر أصعب فتدارك
الأمر الأصعب أهم وجواب السؤال عن العجلة والتقدم عن القوم سهل فقدم تدارك الأمر
الأصعب عَلَى تدارك الأسهل فقال (هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) يعني تقدمي عليهم ليس بمثابة تستنكر
عادة بل يتقدم الرفقة بعضهم بعضًا بذلك المقدار ولا يعدونه مفارقة. ثم أجاب عن السؤال عن
العجلة بقوله: (وعجلت إليك رب لترضى) يعني أن سبب استعجالي إليك هُوَ
حصول رضاك فإنه يحصل بالمسارعة إلَى امتثال أمرك والوفاء بعهدك، فذكر أن عجلته وإن
كانت مذمومة فالذي دعا إليها أمر محمود وهو رضى المولى وقال الإمام:(وعجلت إليك
رب لترضى)يدل عَلَى أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذهب إلَى الميعاد قبل الوقت الذي
عينه الله تَعَالَى له ويرد هذا التأويل قَوْلُه تَعَالَى:(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ
فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)إلَى قَوْله: ( [وَلَمَّا] جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا)
قال صاحب الكَشَّاف لميقاتنا لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه، وإنما الْمُرَاد بـ عجلت
إليك عجلت عن قومي لا عن الميقات لقَوْله تَعَالَى: (وما أعجلك عن قومك) قال
صاحب الانتصاف، والْمُرَاد بسؤال مُوسَى تعليمه أدب السفر وهو أن يتأخّر رئيس القوم ليحيط بصره
بطائقه كما علم لوطًا بقوله: (واتبع أدبارهم) كأنما أغفل مُوسَى ذلك لعلة طلب
الرضا بمسارعته إلَى الميعاد الذي يود لو ركب أجنحة الطير.