لكنه ناب من حيث إنه عامل لا من حيث إنه حرف تحقيق فلا يمتنع دخوله على أن امتناع
دخول إن عليه. وقرأ نافع وأبو بكر (وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ) بكسر الهمزة) هي الشبع معنى
أن لا تجوع والري معنى (لا تظمأ) جمع بَيْنَهُمَا لمناسبة ظاهرة بَيْنَهُمَا والكسوة
معنى لا تعرى والكن معنى لا تضحى جمع بَيْنَهُمَا لما ذكرناه ولو راعى ما ذكر في التنزيل لكان
أحسن الترتيب الجميل، والْمُرَاد بالأقطاب أصولها وما عليه مدارها والكن المنزل يقال ضحى
يضحي إذا برز الشمس فمعنى لا تضحى لا تبرز الشمس مثل قَوْلُه تَعَالَى:(لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا
وَلَا زَمْهَرِيرًا)فالنفي هنا متوجه إلَى القيد والمقيد أي لا شمس ولا بروز لأن
هواها مضيء بذاته لا يحتاج إلَى شمس ولا قمر ولم يذكر وقاية البرد اكتفاء بوقاية الحر ولم
يعكس ؛ إذ الحر غالب في ديار العرب. قوله بذكر نقائضها متعلق بقوله بيان وتذكير نقائض جمع
نقيض بالْمَعْنَى اللغوي. قوله ليطرق تعليل للتذكير أو لذكر نقائضها بأصناف الشقوة أي التعب
العظيم المحذر منها فذكر هذا ليكونا عَلَى حذر من سبب الخروج الذي يؤدي إلَى ذلك الحرج
والتعب والطرق الضرب والوصول وهو مجاز شائع كيقرع وبابه نصر. قوله بكسر الهمزة عطف
على أن لك (أن لا تجوع) فهو ظَاهر .
قوله: (والباقون بفتحها) عطفًا عَلَى أن لا تجوع فيلزم دخول إن بالكسر عَلَى أن
بالفتح فحاول بيان وجهه فقال والعاطف وإن ناب عن أن لكنه نابه من حيث إنه حرف
عامل لا من حيث إنه تحقيق لأن الواو لا يدل عَلَى التحقيق. نقل عن أبي البقاء أنه قال إن
المكسورة إنما لا تدخل عَلَى المفتوحة إذا لم يكن بَيْنَهُمَا فصل، وأما إذا كان فلا للإطباق
على جواز إن عندي إن زيدًا منطلق وهنا الفصل فلا مساغ للْقَوْل بامتناع دخولها عليها ولا
يطلب له وجه سواه، والتَّأْكيد لكمال العناية به، وإنَّمَا قيل إن لك باللام لقوله: (أن لا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الكفاف التي هي هذه الأربعة الْمَذْكُورة بذكر نقائضها ليطرق أي ليقرع سمعه بأصناف الشقوة
المحذور منها ويفهم هُوَ أنه إن كان بحاله ينسب بها العدو إلَى إخراجه عن الجنة يشقى ويتعب في
أمر العيش ويحصل له ما دلت عليه هذه النقائض من الجوع والظمأ والضحى فإن دلالة(لا
تجوع)عَلَى الجوع أقوى من دلالة الشبع عليه وكذا الثلاثة البواقي والضَّمير في
نقائضها راجع إلَى أسباب الكفاية وأقطاب الكفات التي هي الشبع والري والكسوة والكن. فإن قلت:
قوله: (أن لا تجوع) ليس نقيضًا للشبع، ولا تظمأ ليس نقيض الري بل هُوَ هُوَ. وكذا
لا تعرى ولا تضحى ليسا نقيضي الكسوة والكن. فإن قلت: إذا ذكر سبب شيء فقد ذكر ذلك الشيء
فالْمَعْنَى بذكر نقائضها منفية ولفظ الكَشَّاف أظهر دلالة عَلَى المقصود مما ذكر هنا فإن في الكَشَّاف
هكذا وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو ليطرق سمعه بأسامي
أصناف الشقوة التي حذره منها ليتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها .
قوله: والعاطف وإن ناب عن أن الخ. أي الواو العاطف في (إنك لا تظمأ) .
ناب مناب أن في قوله: (إن لك أن لا تجوع) لكن نيابته عنه لا من حيث إنه حرف
تحقيق بل من حيث إنه عامل فلا يلزم دخول حرف عَلَى حرف مثله في الْمَعْنَى .