تفضيلًا عليهم بالرحمة وإن كان رحمة الراحمين مَجَازًا؛ إذ الْمُرَاد هنا الإنعام والمنعم
الحقيقي هُوَ الله تَعَالَى. نقل عن أمالي ابن عبد السلام من أنه لا مشاركة بين اللَّه تَعَالَى وغيره
في صفة الرحمة بحسب الْحَقيقَة لأن رحمة الخلق انعطاف قلبه ورحمة الله تَعَالَى إما الإنعام
الحقيقي أو إرادته فوجهه بأن الْمُرَاد وصفه بغاية الرحمة وأنه أعظم رحمة من كل من
يتصف بها في الْجُمْلَة .
قوله: (بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفًا في السؤال)
بما يوجبها أي الرحمة وما يوجبها هُوَ الضر ؛ إذ إزالة الضر الحقيقي من أعظم الرحمة والإنعام
فهذا أبلغ من قوله: (أرحم) لذكره في السؤال ما يقتضيه الرحمة واللطف وإليه
أشار بقوله واكتفى بذلك إلَى قَوْله لطفًا في السؤال وفيه إشَارَة إلَى أن (أرحم الراحمين)
أوقع من سائر الأوصاف الجليلة لأنه ثناء يوافق مطلوبه وغرضه.
قوله:(وكان روميًا من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم استنبأه الله وكثر
أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله، والمرض في بدنه ثماني
عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعًا وسبعة أشهر وسبع ساعات. روي أن امرأته ما خير بنت
ميشا بن يوسف، أو رحمة بنت افراثيم بن يوسف قالت له يومًا: لو دعوت الله فقال: كم كانت
مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال: أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة
رخائي)من أولاد عيص بن إسحاق بن إبْرَاهيم وفي بعض النسخ إسحاق بن يَعْقُوب
وهو كما قيل سهو والصواب إسحاق بن يَعْقُوب بن إسحاق. قوله ما خير بخاء معجمة وراء
مهملة وفي بعضها ماحين بالحاء المهملة ونون. قالت له يومًا ولم تقل قبله لأنها صديقة بنت
صديق ومن الشجرة الطيبة النافعة المثمرة نفعنا الله تَعَالَى بشفاعتهم وببركاتهم لو دعوت الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها أي بما يوجب الرحمة وهو مساس الضر بقوله:
(مسني الضر)
قوله: واكتفى بذلك. أي اكتفى بوصف ربه بغاية الرحمة عن عرض المطلوب الذي هُوَ البرء
عن السقم لطفًا في السؤال وهو سؤال البريء عن الضر الذي مسه حَيْثُ استحيا من ربه عن
تصريح المطلوب تأدبًا ومن هذا الباب ما يحكى أن عجوزًا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقال
يا أمير الْمُؤْمنينَ مشيت جرذان بيتي عَلَى العصي فقالت لها ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب
وثب الأسود وملابتيها حبًا. وذكر صاحب المثل السائر أن امرأة اشتكت بعض ولد ابن سعيد بن
عبادة من قلة الفأرة في بيتها فقال املؤوا بيتها خبزًا ولحمًا وسمنًا.
قوله: ولو دعوت الله. لو تحتمل أن يكون بمعنى التمني وأن يكون للشرط وجوابه مَحْذُوفًا
أي لاستجيبت دعوتك.