أحوالهم في الْآخرَة وبيان أضدادهم فيها، والتقديم لأن الْآخرَة وعذابها أشد وأبقى ولو
قدم كما في بعض المواضع الأخر نظرًا إلَى تقدمها زمانًا لكان له وجه ولم يعطف
لتباين الغرضين فإنه في الأولى بيان حال الله تَعَالَى لا حال الْمُؤْمنينَ وإن لزمه وهنا
بيان حال الْكَافرينَ.
قوله:(لا يريد به حالًا ولا استقبالًا وإنما يريد به استمرار الصد منهم كقولهم: فلان
يعطي ويمنع)لا يريد به الخ. لأنه حِينَئِذٍ يشكل العطف عَلَى كَفَرُوا وإنما يريد اسْتمْرَار
الصدود الخ. فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد بالموصول طائفة مَخْصُوصة أنهم يموتون عَلَى الكفر وإلا
فيكون عامًا خص منه البعض وهم الْمُؤْمنُونَ منهم حمله عَلَى الصدود لا عَلَى الصد مع أن
الأولى العكس لكونه ذمًا بالإضلال مع الضلال وما اختاره كالتَّأْكيد لما قبله ولا مساغ
لحمل كلامه عليه لكون الصدود مصدر اللازم.
قوله: (ولذلك حسن عطفه عَلَى الْمَاضي) قد نبت في موضعه أن ما وقع صلة منسلخ
عن الماضوية والْمُضَارِعية فيكون كَفَرُوا أَيْضًا للاستمرار فلا حاجة إلَى التمحل الْمَذْكُور ثم
قيل الْمُرَاد بالاسْتمْرَار غير الاسْتمْرَار التجددي وغير دلالة الاسمية الخبرية فعلًا عَلَى
الثبوت لتصريحه في قَوْله تَعَالَى: (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) .
ولا وجه لتعليله بأن الْمُضَارِع لما صلح للزمانين جاز أن يستعمل فيهما لعموم الْمَجَاز لا
لإعمال المشترك في مفهوميه إذا اقتضاه المقام كما قيل لأنه لا يلائم قوله ولذا حسن عطفه
على الْمَاضي لاشتمال اسْتمْرَاره عَلَى المضي انتهى. وهذا يشعر بأن الْمَاضي باق عَلَى
الماضوية وقد عرفت أنه ليس كَذَلكَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لا يريد به حالًا واسْتقْبَالًا وإنما يريد اسْتمْرَار الصدود منهم يعني أريد به الاسْتمْرَار
التجددي مثل الزاهد يشرب ويطرب في جواب من قال كَيْفَ حال الزاهد ولولا هذا التأويل لكان
مقتضى العطف أن يقال وصدوا بلفظ المضي؛ لأن الْمَعْطُوف عليه وهو [كفروا ماض] .
قوله: كقولهم: فلان يعطي ويمنع. إشَارَة إلَى أن يصدون هنا استعمل لمعنى اسْتمْرَار
الصدود في جميع الأزمنة الْمَاضي والحال والاسْتقْبَال كما يقال فلان يعطي ويمنع ولا يراد أنه
يعطي ويمنع الآن أو في المستقبل، بل يراد أنه يصدر منه الإعطاء والمنع في جميع الأزمان
مستمرا اسْتمْرَارًا تجدديًا.
قوله: ولذلك حسن عطفه عَلَى الْمَاضي. أي ولكون الْمُرَاد منه اسْتمْرَار الصدود حسن عطفه
على الْمَاضي الواقع صلة للموصول. ووجه حسن عطفه عليه كون الْمَاضي جزء مدلول الْمَعْطُوف
فإن الصدود المستمر مشتمل عَلَى الماضي والحال والاسْتقْبَال ولولا هذا التأويل لأشكل أمر عطف
الْمُضَارِع عَلَى الْمَاضي.