باب الاشتغال يختار فيه النصب بخلاف السُّورَة فإن رفعهما أحسن، وأما نصبهما بالنسبة إلَى
رفعهما هل هُوَ أحسن منه أو بالعكس فالرفع أفصح من النصب أشار إليه بتقديم قراءة الرفع
وقد مَرَّ أن الوجه الأول هُوَ المعول في قراءة الرفع .
قوله: (والزان بلا ياء) أي وَقُرئَ والزان بلا ياء لحذفها تخفيفًا واكتفاء بالكسر .
قوله:(وإنما قدم الزَّانِيَةُ لأن الزنا في الأغلب يكون بتعرضها للرجل وعرض نفسها
عليه ولأن مفسدته تتحقق بالإِضافة إليها)وإنما قدم الزانية مع أن حقها التأخير ولذا قدم
السارق عَلَى السارقة لأن السرقة غلبت في الرجال بخلاف الزنا فإنه غالب فيها شوقًا فإن
تحققه يكون بتعرضها للرجل وتمكينها منه ؛ إذ لو أبت لما تحقق ولأن مفسدته أي مفسدة
الزنا وهي اشتباه النسب ولحوق العار وتوبيخ الأغيار وخجالة الأقارب الأخيار تتحقق
بالْإضَافَة إلَى الزناة الأشرار والزانية فيها مجاز في النسبة فإنها مزني بها، وفيه أَيْضًا إشَارَة إلَى
أنها أصل في مباشرة الزنا حيث جعلت فاعلة مع أنها مَفْعُولة .
قوله: (والجلد ضرب الجلد وهو حكم يخص بمن ليس بمحصن) والجلد ضرب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
رفعهما وقوع الإنشاء خبرا فيحتاج إلَى التأويل، والأصل عدم التأويل بخلاف نصب سورة فإنه
يساوي رفعه في الجواز لأن رفعه لا يحتاج إلَى التأويل وإخراج الْكَلَام عن ظاهره فالمفضل عليه
في الحسن في الْحَقيقَة هُوَ رفعهما عَلَى الابتداء لأن أصل الْمَعْنَى نصبهما أحسن من رفعهما للأمر
أي لأجل وقوع فاجلدوا الذي هُوَ إنشاء في موقع الخبر عَلَى تقدير رفعهما ولا يلزم هذا المحذور
في صورة النصب لكنه رحمه اللَّه جعل المفضل عليه نصب سورة يعني أن نصبها حسن ونصبهما
أحسن سنه ؛ إذ لا محذور في الرفع وهنا محذور .
قوله: ولأن مفسدته تتحقق بالْإضَافَة إليها. أي ولأن مفسدة الزنا تتحقق بالْإضَافَة إلَى الزانية ولا
تتحقق بالمباشرة في غيرها لأن المباشرة في غيرها لا يسمى باسم الزنا بل يسمى بالوطء واللواطة
وغيرهما. قَالَ صاحب الكواشي: وقدمت الزانية لأن الزنا في النساء أكثر ولأنهن أحرص عليه .
قوله: والجلد ضرب الجلد. أي الجلد مصدر جلده يجلده أي ضرب جلده كقول العرب
ظهره وبطنه ورأسه. أي ضرب ظهره وبطنه ورأسه وذكر بلفظ الجلد لئلا يضرب بحَيْثُ يبلغ اللحم .
قوله: وهو حكم يخص بمن ليس بمحصن، لما دل عَلَى أن حد المحصن هُوَ الرجم لأن
الزانية والزاني يدلان عَلَى الجنسين غير العفيفين من الزاني المحصن وغير المحصن دلالة مطلقة
والجنسية قائمة في الكل والبعض فكانا كالاسم المشترك بين الكل والبعض فللمتكلم أن يصرفه
إلى أي الجنسين يشاء من المحصن وغير المحصن، والاعتماد عَلَى القرينة المعينة للمراد والقرينة
هنا عَلَى تَقْييد هذا المطلق الْحَديث وهو"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة"ولما دل الْحَديث
على أن حد المحصن هُوَ الرجم تعين أن حكم الجلد مَخْصُوص بغير المحصن من الزواني فمعنى
قوله لما دل الدليل وذلك لدليل هُوَ الْحَديث الْمَذْكُور. اعلم أن هذه الحنفيين رحمهم الله في حد
الزواني اللاتي هن غير المحصنات الجلد فقط دون الجلد مع التغريب متمسكين بهذه الآية. فإن
الْمَذْكُور في الآية الجلد فقط، وعند الشافعي حدهن الجلد والتغريب لقوله عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام".