لكن يرد عليه أن تأخير البيان في وقت الخطاب جائز وإن لم يكن جائزًا وقت الحاجة
فالأقرب في توضيح كلام الهداية ما قاله صاحب الكشفاية من قوله لأن الفاء يقتضي أن يكون
الجلد جزاء والْجَزَاء ما يكون كافيًا لأنه من جزأ بالهمزة أي كفى فكأنه قيل [فجزاؤه] الكافي
على طريق الحد الجلد فقط فيعارضه الْحَديث لأنه بين أن جزاءه الكافي أمران فيكون
أحدهما ناسخًا للآخر نسخًا مقبولًا إن قيل إن الآية ناسخة، أو نسخًا مردودًا إإن قيل إن
الْحَديث ناسخ فإنه خبر الآحاد فلا ينسخ القاطع عند الْحَنَفيَّة وإن جاز عندهم نسخ الآية
بالأحاديث الْمَشْهُورَة، وهذا مقتضى كلام المص وإلا فالْحَديث منسوخ. قال في الهداية
والْحَديث منسوخ كشطره وهو قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة"
وقد عرف طريقه في موضعه انتهى. وبين صاحب الكفاية أنه قد قام الدليل عَلَى تقدم
الْحَديث عَلَى قَوْلُه تَعَالَى: (الزانية والزاني) لأن حكم الزنا في ابتداء الْإسْلَام
الحبس في البيوت والإيذاء باللسان لقَوْله تَعَالَى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) .
ولقَوْله تَعَالَى: (فآذوهما) إلَى أن قال فإذا ثبت نسخ شطر الْحَديث وهو
قوله: عَلَيْهِ السَّلَامُ:"الثيب بالثيب"الْحَديث قَوْلُه تَعَالَى: (الزانية والزاني) .
فكَذَلكَ الشطر الثاني. فإن قيل ما ذكر بناء عَلَى ما اختاره الفراء والمبرد في إعراب الآية وهو
كون فاجلدوا خبرًا وأما عَلَى غيره فما الوجه في ذلك؟ قلنا أشار إليه صاحب الهداية أَيْضًا
حيث قال: أو إلَى كونه كل الْمَذْكُور أي فيكون كل الْمُرَاد؛ إذ المَوْضع مَوْضع الحاجة إلَى
البيان فكان الْمَذْكُور تمام حكم الزنا فلو أوجبنا التغريب لكان الجلد بعض الموجب فيكون
نسخًا كما في الكفاية، وهذا يعم المذاهب في إعراب الآية. ثم قال صاحب الهداية: إلا أن
يرى الإمام في ذلك مصلحة فيعزره عَلَى قدر ما يرى وذلك [تعزير] وسياسة.
قوله:(وله في العبد ثلاثة أقوال. والإِحصان: بالحرية والبلوغ والعقل والإِصابة في نكاح
صحيح)لقول الأول عدم التغريب والثاني التغريب سنة كالحر، والثالث التغريب نصف سنة
كنصف الجلد وهذا الأخير هُوَ الموافق للقاعدة.
قوله: (واعتبرت الْحَنَفيَّة الْإسْلَام أيضًا) فشروطه سبعة عند الحنفية وسنة عند الشَّافعي
وهو أن يكون حرًا عاقلًا بالغا مسلمًا قد تزوج امرأة نكاحًا صحيحا ودخل بها وهما عَلَى
صفة الإحصان، والشافعي لم يشترط الْإسْلَام.