أبلغ من التصريح، ولما كان أخذ الرحمة غير اختياري حمل النهي عَلَى غاية وهي التعطيل
أو المسامحة .
قوله: (في طاعته وإقامة حده) أي في شأن طاعته ومن جملتها إقامة حده، ذكرها بعد
الطاعة المطلقة ارتباطًا لمقام بيان أحوال الزنا، فالْمُرَاد بالحد إما حد الزنا أو مطلق الحد .
قوله: (فتعطلوه أو تسامحوا فيه) فتعطلوه بالترك رأسًا أو تسامحوا فيه بالتخفيف أو
بالنقصان أو بهما معا .
قوله: (ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلَامُ «لو سرقت فاطمة بنت مُحَمَّد ...) لو إما باقية عَلَى أصلها
أي لو سرقت في الْمَاضي، أو بمعنى إن أي إن سرقت فيما سيأتي والأول هُوَ الْمُتَبَادَر من
قبيل فرض المحال وتَخْصيص فاطمة - رضي الله تَعَالَى عنها - بالذكر لأنها أغر وأحب من بين
آله، وحكم سائرها يعلم بطَريق الأولوية، وقال بنت مُحَمَّد ولم يقل بنتي تنويها لشأنها
وتعظيمًا لحالها فإنه عَلَيْهِ السَّلَامُ يعرف بأنه مَوْصُوف بأوصاف الْكَمَال في ضمن هذا الاسم
ولم يقل بنت الرَّسُول تواضعا لا سيما في ذكر فرض السرقة .
قوله: (لقطعت يدها») أي لأمرت بقطع يدها. قيل هذا بعض حديث في البخاري
عن عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - أن قريشًا اهمهم أمر المرأة المخزومية التي سرقت فقَالُوا
من يكلم رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِب رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ
فكلم رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ فقال: الشفرة حد من حدود الله تَعَالَى ثم قام فخطب فقال:"أيها"
النَّاس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف
أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت مُحَمَّد سرقت لقطعت يدها". وعلم من ذلك أن"
في الْحَديث تغيير إما عَلَى رواية المص فاطمة هذه بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية
صحابية سرقت فقطعها النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وقيل هي أم عمرو بنت سفيان المخزومية. وفي
قوله: لو سرقت فاطمة نكتة لأن اسم السارقة فاطمة أَيْضًا، وقوله بنت مُحَمَّد روي مرفوعًا
ومنصوبًا، والرفع عَلَى أنه صفة والنصب عَلَى تقدير أعني .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فتعطلوه أو تسامحوا فيه. تعطيل الحد هُوَ ترك الجلد رأسا، والمسامحة في الحد الجلد
بحيث لا يوجعهما الضرب ولا يجد المضروب ألمه فالْمُرَاد عَلَى الأول التحريض عَلَى إقامة الحد
نفسه، وعلى الثاني التحريض عَلَى إقامته مع الإيجاع. وعن ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إقامة حد من حدود الله تَعَالَى خير من مطر أربعين ليلة في بلاد اللَّه عز"
وجل"وعن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -"حد يعمل به في الْأَرْض
خير لأهل الْأَرْض من أن يمطروا أربعين صباحًا"وفي رواية:"ثلاثين صباحًا"وفي الْحَديث يؤتى بوال"
نقص من الحد سوطًا فيقول رحمة لعبادك. فيقال له: أنت أرحم به مني فيؤمر به إلَى النَّار ويؤتى لمن
زاد سوطًا فيقول لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلَى النَّار"."