الاستحلال) ولا يلزم أراد دفع لمحذور الذي أورده صاحب الأحكام من أنه إذا كان لا
تقبلوا عطفًا عَلَى فاجلدوا والاستثناء مصروف إلَى الكل لزم سقوط الجلد عن التائب
فأجاب بأنه من تمام التَّوْبَة الاستسلام فمن لم يستسلم له لا يتم توبته، وهذا الْكَلَام بناء عَلَى
أنه لا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه، كَمَا صَرَّحَ به في قَوْله تَعَالَى:(وما
أملك لك من اللَّه من شيء)الآية. فلا إشكال بأنه يلزم سقوط الجلد
بمجرد الاستسلام كالاستحلال؛ لأن الاستسلام ليس مُسْتَثْنَى بل كون الاستحلال مُسْتَثْنَى
كاف في صحة الاستثناء لما مَرَّ عَلَى أن الْمُرَاد بالاستسلام الاستسلام المقارن للجلد بقرينة
المقابلة بالاستحلال غايته أنه إذا تاب واستسلم للجلد لا يجلد ثانيًا وهو كَذَلكَ، وإذا تاب
واستحل لا يجلد أصلًا وإذا تاب ولم يستسلم ولم يستحل، فظَاهر الاستثناء سقوط الجلد
وقد تصدى طاب الله ثراه لدفعه فمن تاب واستحل فقد سقط عنه الجلد، ومن تاب واستسلم
فقد جلد فالْمُسْتَثْنَى هذا المجموع باعْتبَار الأول لا الثاني، وهذا وإن كان تكلفًا لكن يتم
كلامه به ويحسن .
قوله: (ومحل الْمُسْتَثْنَى النصب عَلَى الاستثناء) لأنه مُسْتَثْنَى متصل في كلام
موجب تام لأن التائبين داخلون في الرامين مخرجون عن حكمهم وهو الجلد ورد
شهادتهم والحكم بفسقهم، وعدم تحقق هذا المجموع إما بانتفاء بعضهم أو بانتفاء
كلهم فإذا استسلم وجلد وتاب عن القذف يقبل شهادتهم ولا يحكم بفسقه فلا
يتحقق الجمع الْمَذْكُور لانتفاء الأمرين ووجود أمر منها وإذا استحل من المقذوف
وقد تاب لا يتحقق شيء منها فانتفاء المجموع إنما يكون في ضمن أحد هذين
الأمرين لا غير فلا تغفل .
قوله: (وقيل إلى النهي ومحله الجر على البدل من هم في لهم) إلَى النهي أي
الاستثناء راجع إلَى النهي. قيل ذكره ابن الحاجب في أماليه حيث قال: إنه لا يرجع إلَى الكل
أما الجلد فبالاتفاق، وأما قوله: (وأُولَئكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فلأنه إنما جيء به
ليقرر منع الشَّهَادَة فلم يبق إلا الْجُمْلَة الثانية انتهى. ففي الْحَقيقَة الاستثناء راجع إلَى
الجملتين لكن لما كان النهي أصلًا خصه بالذكر وقد تدخل الواو العاطفة عَلَى التأكيد إذا
لم يقصد به التَّأْكيد بل يفهم منه بقرينة السياق ، مرضه لأن الاستثناء يحسن صرفه إلَى
المجموع كما بينه أولًا. فقوله أما الجلد فبالاتفاق فضعيف؛ لأن طلب المقذوف شرط الجلد
فإذا عفا سقط الحد.