المعدومات من الجزئيات يحتاج إلَى تكلف. قيل وبهذا يظهر التفاوت بين الباصرة
والبصيرة في إدراك الجزئيات فإن الباصرة أَيْضًا تدركها لكن لا عَلَى هذا الوجه من العموم
والبصيرة ممتازة أَيْضًا عن الباصرة بإدراك الكليات .
قوله: (وتغوص في بواطنها) أي بواطن الكليات والجزئيات فتدرك ما خفي منها
بخلاف الباصرة. قوله تغوص اسْتعَارَة تبعية للنظر العميق لإدراك ما خفي منها .
قوله: (وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل) وتتصرف فيها. أي في المدركات الْمَذْكُورة
ظواهرها وبواطنها بالتركيب أي بتركيب بعضها مع بعض والتحليل أي تفريق بعضها عن
بعض والْمَذْكُور في موضعه أن هذا شأن الْقُوَّة المتصرفة لا الْقُوَّة العاقلة والبصيرة إلا أن
يقال: مراده وتتصرف فيها بمعونة الْقُوَّة المتصرفة .
قوله:(ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب
يفيضها عليها)شروع في بيان العلاقة بين المدرك المسمى نورًا وبين الباري سبحانه
وتَعَالَى. والْمَعْنَى ثم إن هذه الإدراكات أي إدراك البصر والبصيرة جَميعًا ليست لذاتها
أي لذات الْقُوَّة الباصرة والبصيرة أي ذاتها ليست منشأ للإدراك وإلا لما فارقتها ؛ إذ
مقتضى الذات لا يتخلف عنها والتالي باطل لأن الْقُوَّة الباصرة قد لا يدرك الأشياء
بالبديهة وقد يدركها بعد الغفلة عنها وكذا الْقُوَّة العاقلة فهي أي تلك الإدراكات من
سبب أي من سبب فاعل يفيضها عليها تفضلًا إما بعد النظر والترتيب بطَريق جري
العادة أو لا سواء كان ضرورة أو بالحدس أو غير ذلك .
قوله: (وهو الله سبحانه وتَعَالَى ابتداء أو بتوسط من الْمَلَائكَة والْأَنْبيَاء) وهو الله تَعَالَى
إذ كل الأمور [ترجع] إليه تَعَالَى ابتداء كالوحي بلا واسطة والإلهامات أو بتوسط من الْمَلَائكَة
كالوحي بواسطة الملك هذا بالنسبة إلَى الْأَنْبيَاء عليهم السلام والْأَنْبيَاء أي بتوسط من
الْأَنْبيَاء بالنسبة إلَى آحاد الأمة ولم يذكر توسط الْقُرْآن وسائر الكتب المنزلة لأنه داخل في
توسط الْمَلَائكَة والْأَنْبيَاء وتقديم الْمَلَائكَة لأنهم وسائط بين الله ورسله .
قوله: (ولذلك سموا نورًا) كقَوْله تَعَالَى: (وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا) .
وهم الْأَنْبيَاء أو الْقُرْآن وإفراد النور لإرادة الجنس .
قوله:(ويقرب منه قول ابْن عَبَّاسٍ رضي الله تَعَالَى منهما معناه هادي من فيهما فهم
بنوره يهتدون)لما كان معنى كون الله نور السَّمَاوَات والْأَرْض عَلَى هذا التوجيه أنه به يدرك
أو يدرك أهلها كما عرفت مفصلًا، ومن المعلوم أن ما يدرك أو يدرك به الشيء يحصل به
الابتداء إلَى أقصى المراتب وهو المعارف والعلوم وهو قريب من كونه هاديًا. قال المص: