قوله: (أو ماء مَخْصُوص هُوَ النطفة) لأنها يطلق عليها الماء كقَوْله تَعَالَى:(ألم
نخلقكم من ماء مهين)وهذه الآية يؤيد الْمَعْنَى الثاني فلا يعرف وجه
تأخيره، والْمُرَاد بماء مَخْصُوص مَخْصُوص بالشخص فالتنكير في الماء عَلَى هذا التقدير
للأفراد الشخصية وفي الأول للأفراد النوعية .
قوله: (فيكون تنزيلًا للغالب منزلة الكل) جواب سؤال فكلمة كل للتكثير بعد تنزيله
منزلة الكلي. وقيل يجوز أن يراد بالدابة ما يخلق بالتوالد بقرينة من ماء. أي نطفة كقوله
تَعَالَى: (كل شيء حي) إذا أُريد به ما به الحياة بقرينة حي وهذا أولى
لمحافظة معنى الكل المقتضي للعموم بل الأحسن أن يقيد بقيد يستقيم العموم به في كل
مَوْضع لا يصح العموم فيه ظاهرًا، ولهذا قال المص في قَوْله تَعَالَى:(وجاءهم الموج من
كل مكان)يجيء الموج إليه حيث قيد من كل مكان بمجيء الموج إليه
تصحيحًا للعموم المُسْتَفَاد من لفظة كل، لكنه أشار هنا إلَى صحة إرادة الْمَجَاز ولم يقيده
بقيد يحسن العموم به .
قوله: (إذ من الحيوانات ما يتولد لا عن النطفة) خلق آدم من تراب وعيسى عليه
السلام من ريح لقَوْله تَعَالَى: (فنفخنا فيه من روحنا) كذا قاله الإمام. قال
المص في قَوْله تَعَالَى: (فأرسلنا إليها روحنا) الآية. [ولعله لتهييج شهوتها]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
فخلق نوع الْإنْسَان من ماء مختص بذلك النوع وخلق نوع الفرس من ماء مختص به، وعلى هذا
سائر الحيوانات ويحتمل أن يكون للإفراد شخصًا، فإنه تَعَالَى خلق كل دابة من ماء مَخْصُوص بها
وهو النطفة، فيرد عليه أن من الحيوانات ما ليس مخلوقًا من النطفة كالهوام فحمل رحمه الله معنى
الكل في (خلق كل دابة) عَلَى التَغْليب أي تَغْليبًا للأكثر المخلوق من النطفة عَلَى الأقل الغير
المخلوق منها. قال صاحب الكَشَّاف: أو خلقها من ماء مَخْصُوص وهو النطفة ثم خالف بين
المخلوقات من النطفة فمنها هوام ومنها بهائم ومنها ناس. فذهب رحمه الله إلَى أن كل دابة مخلوقة
من النطفة من غير ذهاب إلَى معنى التَغْليب. أي خلق كل دابة من النطفة غير أن النطفة التي خلقت
منها الهوام مغايرة مخالفة لنطفة خلقت منها البهائم والْإنْسَان أدرج الرطوبة التي خلقت منها الهوام
في جنس النطفة، وأما تعريف الماء في قَوْله تَعَالَى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي)
فلان الْمُرَاد الجنس فإن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من جنس الماء وإن تخللت بينه وبينها
وسائط قَالُوا خلق الله الْمَلَائكَة من ريح خلقها من الماء والجن من نار خلقها منه وآدم من تراب
خلقه منه. قوله: وقيل من ماء متعلق بدابة عَلَى أنه صفة الدَّالَّة أي دابة كائنة من ماء .