أي أن الارتياب والخوف ليسا بواقعين ؛ إذ الواقع هُوَ الأول أو إن الارتياب والخوف لا
يَنْبَغي أن يقعا منهم لوضوح خلافهما لكنهما وقعا منهم عَلَى سبيل البدل لأن قلوبهم مألوفة
بالخبائث ويؤيد هذا الاحتمال الأخير ما ذكر في سبب النزول من أنه قال المنافق إن محمدًا
يحيف علينا وكذا المغيرة وفي قوله عن القسمين الأخيرين إشَارَة إلَى أن أم متصلة لأنها
إن كانت منقطعة قَالَ إضراب عن القسم الأخير. نقل عن الطيبي أنه قال الحق أن بل إضراب
عن نفس التقسيم يعني [دع] التقسيم فإنهم هم الكاملون في الظلم الجامعون لتلك
الأوصاف فلذلك صدوا عن حكومتك يدل عَلَى ذلك اسم الإشَارَة والخطاب وتعريف
الخبر بلام الجنس وتوسيط ضمير الفصل انتهى. ولا يخفى عليك أن كونهم هم الكاملون
في الظلم معنى كون المرض في قُلُوبهمْ سواء كان معنى المرض الكفر أو الميل إلَى الظلم
فَكَيْفَ يكون إضرابًا عن نفس التقسيم مع أن هذا القسم متحقق فيهم .
قوله:(ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون
محققًا عندهم أو متوقعًا وكلاهما باطل؛ لأن منصب نبوته وفرط أمانته صلّى الله عليه وسلّم يمنعه)ووجه التقسيم
أي التقسيم بناء عَلَى الظَّاهر. قوله إما لخلل ليعم الكفر والميل إلَى الظلم ولذا لم يقل إما
لكفرهم أو لميلهم رومًا للاختصار. قوله أو في الحاكم لم يقل أو في الرَّسُول؛ إذ الْمُرَاد هنا
خصوصية الحكم. قوله أو محققًا عندهم هذا يؤيد ما ذكرناه من أن الإضراب معناه إبطال ما
وقع منهم وإنكار له بمعنى أنه لا يَنْبَغي أن يقع لا بمعنى أنه لا يقع وهذا ناظر إلَى الارتياب
وإشَارَة إلَى وجه اختيار الْمَاضي هنا، ولقد أصاب حيث قال محققًا عندهم أي وليس محققًا
في نفس الأمر وعن هذا أضرب عنه وكذا الكلام في متوقعًا وهو ناظر إلَى خوف الحيف
وتنبيه عَلَى وجه اختيار الْمُضَارِع كما أشرنا إليه آنفًا. قوله باطل وهذا معنى الإضراب كما
نبهنا عليه. أي الاسْتفْهَام في الأخيرين للإنكار الواقعي. قوله لأن منصب نبوته أي شرفها
وعلوها لما عرفت من أن معنى المنصب العلو والشرف .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
ثقتهم به وخوفهم أن يحيف الله ورسوله عليهم في الحكومة. قال الطيبي رحمه الله: إن بل إضراب
عن نفس التقسيم يعني دع التقسيم فإنهم هم الكاملون في الظلم الجامعون لتلك الأوصاف عَلَى
الْكَمَال، ولذا صدوا عن حكومتك ويدل عليه إتيان اسم الإشَارَة والخطاب وتعريف الخبر بلام
الجنس وتوسيط ضمير الفصل والله أعلم. قوله وكلاهما باطل أي الثاني وهو أن يكون الخلل في
الحاكم باطل بشقيه لظهور أنهم ما رأوا في الرَّسُول ما يتهم به، ولا يتوقع منه أن يحيف في حكوهته
ويظلم أحدًا فتعين القسم الأول وهو أن امتناعهم وأعراضهم عن الحكومة بالحق لمرض في
قلوبهم وهو مرض كفرهم وميلهم إلَى الظلم .