في [الذروة] الأعلى من البلاغة وهو الأصح الْمَشْهُور. قوله وتضمن ماض. عطف عَلَى أعجزكم.
وفي بعض النسخ وتضمنه بالضَّمير فحِينَئِذٍ يكون مصدرًا مَعْطُوفًا عَلَى فصاحته ومنشأ
الإعجاز لكنه ضعيف.
قوله: (وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار) وأشياء مكنونة كالجنة والنَّار وما
فيهما من الأسرار فإنها وإن كانت موجودة الآن لكنها [غائبة] عنا فلذا جعل هذه مقابلة
للمغيبات المستقبلة التي لم توجد الآن بل توجد في المستقبل كالأخبار التي لم توجد
مضمونها بعد ووجد في المستقبل كما أخبرت كقَوْله تَعَالَى: (الم(1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى
الْأَرْضِ) الآية. ونظائرها كثيرة فالقادر عَلَى تركيب نظم الْقُرْآن لا بد وأن
يكون عالمًا بكل المعلومات ظاهرها وباطنها وهو الله تَعَالَى لا غير. فالسر هنا بمعنى الغيب
مُطْلَقًا سواء كان موجودًا غاب عن [حسًا] أو معدومًا سيوجد في وقته المقضي له، وللتنبيه
على ذلك قيد المغيبات بالمستقبلة مع أن الأشياء المكنونة من المغيبات أَيْضًا لكنها ليست
من المغيبات المستقبلة. قوله إلا عالم الأسرار إشَارَة إلَى أن اللام في السر للاسْتغْرَاق
ولكون اسْتغْرَاق المفرد أشمل اخْتيرَ المفرد.
قوله: (فَكَيْفَ تجعلونه أساطير الأولين) أو فَكَيْفَ تجعلونه إفكًا افتراه؟ وإنكار كيفية
الجعل الْمَذْكُور إنكار الجعل كناية.
قوله:(فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته[عليها
واستحقاقكم]أن يصب عليكم العذاب صبًا) فلذلك لا يعجل الخ. إشَارَة إلَى مناسبة الخاتمة
الابتداء في الْمَعْنَى فإن قَوْلُه تَعَالَى: (قل أنزله الذي يعلم السر) يوهم أن
الفاصلة إنه عليم أو خبير ونحوه لكن يعرف بعد التأمل أن اللائق هُوَ أنه غفور رحيم لأنه
لا يعجل في عقوبة من [[صنع كتابًا بدت فصاحته] ] فصاحة كل منطيق وعلا كل [منثور] ومنظوم
إلا الغفور الرحيم، وإلى ذلك أشار بقوله لا يعجل في عقوبتكم الخ. لكن الظَّاهر أن هذا
معنى رحيم فإنه يستلزم الحلم وهو عدم التعجيل في العقوبة ومعنى الغفور هنا غفور لمن
تاب منهم، ولظهوره لم يذكره ولو قيل إن الْمَعْنَى لا يعجل في عقوبتكم لعلهم يتوبون فيغفر
الله لهم فيكون هذا معنى غفور بهذا الاعتبار، ومعنى رحيم متفضل عَلَى عباده مع الْمَغْفرَة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فلذا لا يعجل في عقوبتكم عَلَى ما تقولون مع كمال قدرته عليها [واستحقاقكم] أن
يصب عليكم [العذاب] صبًا. يعني لما كان ما قبل هذه الآية في معنى الوعيد للكفرة الَّذينَ قَالُوا ما قَالُوا من
موجبات العقوبة عقبه بقوله: (إنه كان غفورًا رحيمًا) دلالة بوجه الكناية عَلَى أنه
قادر عَلَى العقوبة لأنه لا يوصف بالْمَغْفرَة والرحمة إلا القادر عَلَى المؤاخذة لكن لم يعجل في
عقوبتهم لاتصافه بالْمَغْفرَة والرحمة وتنبيهًا عَلَى أنهم استوجبوا لمكابرتهم هذه أن تصب عليهم
العقوبة صبًا، وهذا الوجه أوفق لتأليف النظم. قال صاحب الفرائد: يمكن أن يقال: ذكر الْمَغْفرَة
والرحمة بعد ذلك لأجل أن يعرفوا أن هذه الذنوب العظيمة المتجاوزة عن الحد مغفورة إن تابوا
وإن رحمته واصلة إليهم بعدها ولا ييأسوا من رحمته بما فرط منهم.