الأكل والمشي من باب الاكتفاء بهما، أو هما كناية عن جميع الخواص البشرية والاكتفاء
بهما لأنهما غالبًا حاجات الْإنْسَان إليهما.
قوله: (وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن
عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه تعالى بقوله(قُلْ
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ)لعمههم: العمه
في البصيرة وهي إدراك المعقولات كالعمى في البصر فكما أن العمى يمنع رؤية
المبصرات كَذَلكَ العمه يمنع إدراك الحقائق؛ إذ البصيرة كما عرفت قوة القلب المنور
بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها، والعمه انتفاء تلك الْقُوَّة وهو مستلزم
للتحير في الأمر ولذا فسره المص به في سورة البقرة، وقصور نظرهم أي قصره عَلَى
المحسوسات لما عرفت أن بصيرتهم مؤوفة بالعاهات فظنوا بسَبَب ذلك أن تميز الرسل
عمن عداهم بأمور محسوسة جسمانية ليست متحققة في الرسل وليس كَذَلكَ بل التميز
بأحوال نفسانية تستدعي شرف النفس بالتحلي بالفضائل والْكَمَالات القدسية لأن
الرسالة رتبة روحانية تقتضي كمالات روحانية فالأكل والمشي وأمثالهما لا ينافي ذلك
كما أشار إليه بقَوْلُه تَعَالَى: (إنما أنا بشر مثلكم) نأكل ونشرب ونحو
ذلك مثلكم (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أي، وإنما تميزت
عنكم بذلك لا غير.
قوله: (لولا أنزل إليه ملك) لولا للتحضيض أي هلا أنزل ولما لم يصح التنديم هنا
يراد به النفي فقط أي ما أنزل إليه ملك.
قوله: (لنعلم صدقه بتصديق الملك) أي إياه فهو مضاف إلَى الْفَاعل والْمَفْعُول
متروك، والظَّاهر أنه حمل كون الملك معه نذيرًا عَلَى تصديق الملك أنه نبي وكونه نذيرًا
لأنه متضمن الْقَوْل بأنكم إن لم تؤمنوا به فقد خسرتم خسرانًا مبينًا، ولفظ مع هنا لمجرد
الجمع ولا يضره عدم اتحاد زمانهما لأن هذا في لفظ مع أكثري لا كلي. وتمام الْكَلَام
في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (ولما دخل معه السجن فتيان) ولم يجوز هنا
كون الْمَعْنَى فيكون رسولًا إلينا كما جوزه فيما سيأتي لأن قوله إليه يأبى عنه فيكون
بالنصب لأنه جواب لولا بمعنى هلا وحكمه حكم الاستفهام كذا في الكَشَّاف أو حكمه
حكم النفي، كَمَا صَرَّحَ به في كتب النحو وهو الراجح؛ إذ الْمَعْنَى هنا عَلَى النفي كما
أشرنا إليه، وَقُرئَ بالرفع فحِينَئِذٍ يكون مَعْطُوفًا عَلَى أنزل ومحله الرفع ويؤيده أنه يقال
هلا ينزل بالرفع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وذلك لعمههم. العمه عدم البصيرة كما أن العمى عدم البصر. قوله وقصور نظرهم عَلَى
المحسوسات من قصرت الشيء عَلَى كذا إذا حبسته عليه ولم يتجاور به إلَى غيره يقال قصرت
اللقحة عَلَى فرسي إذا جعلت درهًا له.