قوله:(جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورًا اقض بيني
وبينه»)متعلقًا به عَلَى الْحَقيقَة لأن النشأة الأخرى لا يقاس عَلَى الأولى ولا بعد في
الحمل عَلَى التمثيل فحِينَئِذٍ الْقَوْل بلسان الحال فإذا كان حال من آمن به وتعلمه ثم
نسيه. هذا فما ظنكم بحال من كفر به وهجره بالكلية، ولهذه العناية أورد هذا الْحَديث
توضيحًا لما ذكر في النظم غاية الأمر أن ما ذكر في النظم شكوى الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ
وفي الْحَديث شكوى الْقُرْآن وهذا لا ينافي التأييد والتوضيح، وفيه تأييد لكون بث النَّبيّ
عَلَيْهِ السَّلَامُ في الْآخرَة.
قوله:(أو هجروا ولغوا فيه إذا سمعوه أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين،
فيكون أصله مَهْجُورًا فيه فحذف الجار)أو هجروا ولغوا فحِينَئِذٍ يكون مهجورًا من
الهُجر بضم الهاء وهو الهذيان وفحش الْقَوْل وهو عَلَى الحذف والإيصال أي مهجورًا
فيه كما سيجيء، وهو ظَاهر في الإلقاء فلذا قدمه ثم أَشَارَ إلَى معنى آخر وهو الدخل
بقولهم أساطير الأولين قال تَعَالَى:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا
فِيهِ)أي وعارضوه بالخرافات أو ارفعوا أصواتكم تشوشوه عَلَى
القارئ. أخّره لأنه يحتاج إلَى الحذف والإيصال أي عَلَى الوَجْهَيْن، وَأَيْضًا اسْتعْمَاله في
هذا الْمَعْنَى غير شائع.
قوله: (ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول) الهُجر بضم الهاء. وقيل
بالفتح وكون وزن مَفْعُول مصدرًا لكونه قليلًا أخّره مع تمريضه وأيده بقوله كالمجلود الخ.
ولكونه بمعنى النسبة كحجابًا مستورًا أقل لم يتعرض له.
قوله:(وفيه تخويف لقومه فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم
العذاب)تخويف الخ. عَلَى الاحتمالين أما في الدُّنْيَا فبنزول العذاب، وأما في الْآخرَة
فبتضاعف العقاب كاشتكاء الْقُرْآن لتزايد عذابهم، فكذا هنا والْقَوْل بأن كونه في الْآخرَة لا
وجه له لا صحة له، وفي كلامه إشارة إلَى أن هذه الْجُمْلَة سيقت لإنشاء التهديد والتخويف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو هجروا ولغوا فيه إذا [سمعوه] . من هجر إذا هذى أي جعلوه مهجورًا فيه فحذف الجار.
قوله: أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين، وهذا أَيْضًا من هجر إذا هذى لكن الهاجر فيه غير
هَؤُلَاء بل هم زاعمون أنه هجر سطره الأولون بخلاف الوجه الأول فإن الهجر فيه صادر منهم.
قوله: ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود. أي يجوز أن يكون المهجور هنا بمعنى
المصدر أي اتخذوا هذا الْقُرْآن هجرًا، فقوله كالمخلود استشهاد لمجيء صيغة الْمَفْعُول بمعنى الْفعْل
الذي هُوَ المصدر فإن المجلود بمعنى الجلادة والمعقول بمعنى العقل.