أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) وهو اعتراض الخ. أي
قول الْكُفَّار لولا أنزل سواء كان الْمُرَاد بالْكُفَّار أهل الْكتَاب أو المشركين. لا طائل أي لا
فَائدَة فيه لأن الإعجاز الذي دل عَلَى حقية الْقُرْآن لا يختلف بنزوله الخ. فهذا الاعتراض
ونحوه لكونهم من المحجوجين والعجزة المغلوبين وغرضه أنه لا يختلف بنزوله جملة ما
ذكرناه من أن دلالة الإعجاز عَلَى كونه منْ عنْد اللَّه لا أن نزوله جملة كنزوله [مفرقًا] كَيْفَ
كان كَذَلكَ وقد بين الله تَعَالَى لإنزاله فوائد لا توجد في إنزاله جملة وكلام المص من قبيل
إرخاء العنان في ساحة البيان، وفي كلامه دليل عَلَى ذلك لا سيما قوله ومنها معرفة النَّاسخ
والمنسوخ ونزول النَّاسخ والمنسوخ معًا مما يبعده العقل فاضمحل ما قيل وهذا غفول عن
مقتضى أصول البلاغة من وجوب رعاية المطابقة لمقتضى المقام في كل جملة من الْكَلَام
ولا بتسيير تلك الرعاية عند نزول مجموع الْقُرْآن جملة واحدة إلَى آخر ما فرطه كأنه لفرط
تعصبه مع الشَّيْخَيْن لم ينظر قوله ومعرفة النَّاسخ والمنسوخ فإنه صريح في أنه لا يتيسر ذلك
في النَّاسخ وكَيْفَ ذهل عن إشارات الشَّيْخَيْن ثم نسب الغفلة إليهما، وَأَيْضًا كَيْفَ غفل عن
باب مجاراة الخصم. وأُجيب أَيْضًا صح أن سورة الأنعام وسورة التَّوْبَة نزلتا جملة واحدة
ورد ذلك ما ذكره، وَأَيْضًا المعلقات السبع وغيرها من القصائد الطوال اتفقوا عَلَى بلاغتها مع
سماعهم إياها دفعة وفيه نوع إشكال مع أنه لا حاجة إليه فإن في كلامه دليلًا عَلَى أنه إرخاء
العنان تبكيتًا للخصم بالبرهان.
قوله:(أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه؛ لأن حاله
يخالف حال موسى وداوود وعيسى حيث كان عليه الصلاة والسلام أميًا وكانوا يكتبون، فلو ألقي [عليه]
جملة تعي بحفظه) لأن حاله الخ. لعل تركه أولى لأنه وإن كان أميًا لكنه أعطي علوم الأولين
والآخرين. قوله فلو ألقي عليه جملة تعي بحفظه الملازمة ممنوعة لأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ ذو
الْقُوَّة القدسية أولًا وآخرًا وربما يمنع لزوم الحفظ جَميعًا حين نزوله دفعة واحدة؛ إذ ظاهره
نزوله مكتوبًا بأول ينقل حفظ مُوسَى عليه السَّلام التَّوْرَاة دفعة واحدة فمن ادعى فعليه
البيان بالبرهان.
قوله: (ولعله لم يستتب له) أي لم يتم ومآله أنه لو نزل جملة ربما لا يتم حفظه ولقد
أصاب في إيراد لعل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وكَذَلكَ صفة مصدر مَحْذُوف. أي ولفظ كَذَلكَ صفة مصدر مَحْذُوف مدلول عليه
بقوله: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ [جُمْلَةً وَاحِدَةً] ) ودلالته عليه من باب دلالة أحد
الضدين عَلَى الآخر، ولفظ كَذَلكَ صفة مصدر تقديره أنزلناه إنزالًا كَذَلكَ أي إنزالًا كائنًا مثل ذلك
الْإنْزَال المفرق عَلَى أن يكون الكاف حرف جر أو نزلناه إنزالًا مماثلًا لذلك الْإنْزَال المفرق عَلَى أن
يكون الكاف اسمًا فحاصل الْمَعْنَى عَلَى التقديرين أنزلناه عَلَى صفة التفريق (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) .