مراد الْمُصَنّف بقوله وتوسيط الفصل لرد ما في قولهم الخ. كما بيناه آنفًا. نعم هذا التوجيه
يجري في كلام الكَشَّاف دون كلام المصنف. فإن قيل فحِينَئِذٍ لا يفهم انحصارهم عَلَى الإفساد
بل انحصار الإفساد عليهم. قلنا لا ضير فيه إذا إلههم رد ما أشعره كلامهم من أن الفساد ثابت
للمسلمين فقط فأثبت لهم الفساد فقط بقصر قلب تنزيهًا لساحة الْمُؤْمنينَ عن الإفساد في
البلاد وبين العباد، وأما انحصارهم عَلَى الإفساد فلا ينافي إثبات الإفساد لغيرهم فلا يتحقق رد
ما أوهم كلامهم عَلَى أن قصر الإفساد عليهم يستلزم قصرهم عَلَى الإفساد؛ إذ الإصلاح مع
الإفساد كلا إصلاح كعبادة الله تَعَالَى مع عبادة غيره كلا عبادة صرح به الْمُصَنّف في أواخر
سورة المائدة وإن سلم كون الإصلاح مع الإفساد إصلاحًا في بعض الصور فلا ريب في كونه
مع شائبة الفساد فحِينَئِذٍ يحصل الرد لما يفيده صريح كلامهم من أنهم مقصورون عَلَى
الإصلاح بلا شائبة إفساد كما يتحقق رد ما في قولهم (إنما نحن مصلحون)
من التعريض للْمُؤْمنينَ وهكذا يَنْبَغي أن يقرر هذا المقام والعلم عند الله الملك العلام.
قوله: (والاستدراك بـ لا يشعرون) عطف عَلَى قوله وتوسيط الفصل أو عَلَى الاسْتئْنَاف
فهو مما يفيد الأبلغية. وجهه أن فيه تنبيهًا عَلَى أن إفسادهم وكونهم مفسدين في الظهور
كالمحسوس الذي لا يخفى إلا عَلَى مؤوف الحواس فهم صم عمي فهم لا يَعْقلُونَ وهذا
أبلغ رد لا فوقه رد هذا بيان وجه التَّعْبير بلا يشعرون، وأما الاستدراك فوجهه أنهم لما نهوا
عما راموه من الإفساد فقابلوا بأقبح مقابلة بأنهم عَلَى الإصلاح ثم إنه تَعَالَى أخبر بإفسادهم
ورد مقابلتهم الشفاء بأبلغ رد أنيق وبجواب رشيق كانوا حقيقين بمعرفتهم به مع أنهم
بعيدون عنها بمراحل فكان محلًا للاستدراك فكأنه قيل تحقق لهم ما يوجب العلم بأنهم
مفسدون ولكن لا يشعرون لتمادي غفلتهم وفساد عقولهم والختم عَلَى أسماعهم وأبصارهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والاستدراك عطف عَلَى الاسْتئْنَاف. وجه دلالة هذا الاستدراك عَلَى المُبَالَغَة أنه نفى
عنهم الحس الحيواني، فالْمَعْنَى أنه لو كان لهم أدنى شيء من التمييز لعلموا أنهم هم المفسدون لا
المصلحون لكن لا حس لهم ليدركوه قال القاشاني في تأويل الْآيَتَيْن وإذا نهوا عن الإفساد في
الجهة السفلية من النفوس وما يتعلق بها من مصالح الدُّنْيَا ادعوا القصر لأنفسهم عَلَى الإصلاح بناء
على طريقة العقل المنسوب بالهوى المقبل عَلَى تدبير المعاش فإن عقولهم محجوبة [عن] عالم
النور ألا ترى إلَى وجوه الحيل التي تتيسر بها معايشهم عَلَى أحسن الْوُجُوه عند الوهم وأسهلها فرد
الله دعواهم بقصر أنفسهم عَلَى ماهية الفساد المقتضي للب الإصلاح عن أنفسهم بالكلية حيث
راعوا جزئيات تفوت عنهم كليات مصالح الدارين العقل الصافي عن كدورة الوهم والهوى
المكحل بنور الهداية الْإلَهيَّة يراعي كليات المصالح المقتضية لصلاح الدارين الموجبة للسعادة
المطلقة الْإنْسَانيَّة المقربة من الفوز الأعظم ولا يلتفت لفت الجزئي فإن القواعد الكلية إذا انخرمت
انهدمت الجزئيات بأسرها وهذا أمر مركوز في بداية العقول محسوس من جهة فوات أكثر المنافع
الدنيوية واختلالها بذلك فبالغ في سلب العقل عنهم بسلب الحس الذي هُوَ أضعف مراتب
الإدراكات ولعمري إن ذلك العقل الذي يرى فسادهم صلاحًا هي الشيطنة التي قال فيه الإمام
الصادق رضي الله عنه تلك الشيطنة تلك النكراء شبيهة بالعقل وليس به.