صدد الركون إليهم لقوة خدعهم وشدة احتيالهم لكن أدركتك عصمتنا الخ. وإلى هذا أشار
بقوله مما يسبق إلَى الذهن الخ. ولم يقل لقوة خدعه وشدة احتياله تأدبأ مع أن ذلك مراد
الكفرة الفجرة، فلا وجه لما قاله الفاضل المحشي من أنه فيه دلالة عَلَى اضطرابهم
وتحيرهم حيث دلت هذه الْجُمْلَة عَلَى تسليمهم قوة حجته عَلَيْهِ السَّلَامُ مع أنهم استهزءوا به
أولًا فتناقضوا ولا يحتاج أَيْضًا إلَى ما قيل من أنه أخرج في معرض التسليم تهكمًا كما في
قولهم بعث الله رسولا.
قوله:(ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها ولَوْلا في مثله تقيد الحكم المطلق من
حيث المعنى دون اللفظ)لأن الْجَزَاء وما في حكمه لا يتقدم عَلَى الشرط؛ إذ لولا في معنى
الشرط الذي هُوَ قيد الحكم في الْجَزَاء وهذا مذهب الحصريين وعند الكوفيين يجوز تقديم
الْجَزَاء عَلَى الشرط.
قوله: (كالْجَوَاب لقولهم(إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) ولم يقل جواب إما
لكونه غير صريح فيه أو لعدم كون ما سبق سؤالًا ظاهرًا لكنه في قوة سؤال أنحن في
ضلال مبين أم هُوَ صلى الله تَعَالَى عليه وسلم حيث ترك دين آبائه. فأجيب بذلك
الْجَوَاب المنصف المسكت للخصم المشاغب ومن استفهامية خبرها أضل والْجُمْلَة
سادة مسد مَفْعُولي يَعْلَمُونَ لأنه معلق به وجعلها موصولة يحتاج إلَى حذف صدر
الْجُمْلَة الواقعة صلة أي من هُوَ أضل.
قوله: (فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له) بيان لكونه كالْجَوَاب؛ إذ كلامهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولولا في مثله تَقْييد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللَّفْظ. يعني أن كلمة لولا في
مثل هذا الْكَلَام تفيد الحكم المطلق السابق الدال عَلَى الْجَزَاء تَقْييدًا من جهة الْمَعْنَى دون اللَّفْظ
لأن لولا ليست بموضوعة للتَقْييد فإن كلمات الشرط تقتضي بحسب الوضع أن يأتي بعدها جملتان
شرط وجزاء وقد يؤتى في بعض المواضع الذي يراد تَقْييد الْجُمْلَة المتقدمة بشرط مَحْذُوف جوابه
كقولك: آتيك غدًا إن تركني فلان، فقولك إن تركني تَقْييد لا من حَيْثُ اللَّفْظ لأن إن ليست
بموضوعة للقيد والحكم المطلق في كاد ليضلنا هُوَ تقرب الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - إياهم بالاجتهاد إلَى ترك
دينهم صبروا عليه [أولًا] فقيد هذا الحكم المطلق قولهم (لولا أن صبرنا عليها) فالْمَعْنَى هُوَ يضلنا
لو لم نصبر عَلَى عبادة آلهتنا ولم نتصلب عَلَى ديننا ولو صبرنا عليها لا يضلنا، وهذا هُوَ معنى تقييد
الحكم المطلق. وقال النحويون في مثله هُوَ شرط جوابه مَحْذُوف لدلالة ما قبله عليه وحكم لولا
حكم كلمات الشرط في اقتضاء الجملتين وتقدير الربط بينهما.
قوله: فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له، هُوَ بيان لكون هذه الآية كالْجَوَاب لقولهم
(إن كاد ليضلنا) يعني لما استلزم قولهم (إن كاد ليضلنا) اعتقادهم أنه ضال وأوجبه لأن الإضلال لا
يكون إلا صفة الضاد ولا يتصور من الهادي إضلال قوبل به قول(وسوف يَعْلَمُونَ حين يرون
العذاب من أضل سبيلًا)ردًا لاعتقادهم ذلك وإيعادًا لهم.