قوله:(بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق؛ لأنها إذا اجتمعت
مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه)بانقباض الروح متعلق بازدياد الحبسة لما
مر من أن الحبسة نفسها بعدم زوال العقدة، والْمُرَاد بالروح الشعاع الخارج من القلب
المنتشر المسمى بالروح الحيواني الذي يتحرك به العضلات عند ضيقه متعلق بانقباض
الروح، والْمُرَاد بضيقه الغم المقتضي لرجوع الروح وانقباضه. قوله بحَيْثُ لا ينطلق اللسان
على وجه يفيد تمام البيان. قوله لأنها إذا اجتمعت الخ. متعلق برتب لتنويره .
قوله: (متى تعتريه حبسة حتى لا تختل دعوته ولا تنبتر حجته) متى يعتريه حبسة هذا
يؤيد زوال العقدة بكمالها وهو مختار البعض فأَشَارَ إلَى الْقَوْلين في الموضعين وتفصيل
العقدة التي في لسان مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وزوالها في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(قال رب اشرح
لي صدري)الآية. ولا ينبتر أي لا ينقطع، البتر القطع فعلم مما ذكرناه أن مَفْعُول
أرسل مَحْذُوف وهو جبْريل عليه السلام لكمال التضجر وعدم الليس .
قوله:(وليس ذلك تعللًا منه وتوقفًا في تلقي الأمر، بل طلبًا لما يكون معونة على
امتثاله وتمهيد عذره فيه)وليس ذلك الخ. جواب سؤال مقدر بأنه كَيْفَ ساغ لمُوسَى عليه
السلام أن لا يتلقاه بالإجابة وتثبت بأصناف العلل وأجاب بما ترى. قوله وتمهيد عذر فيه. أي
في طلب المعونة وكون الأمر للفور عَلَى ما اختاره البعض لا ينافيه ذلك الطلب عَلَى أن
الْمُخْتَار أن الأمر للطلب استعلاء والفور والتراخي مفوضان إلَى القرينة .
قوله: (وقرأ يَعْقُوب وَيَضِيقُ وَلا يَنْطَلِقُ بالنصب عطفًا على يُكَذِّبُونِ فيكونان من جملة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقرأ يَعْقُوب وَيَضِيقُ وَلا يَنْطَلِقُ بالنصب عطفًا على يُكَذِّبُونِ. فإن قيل تعليق الخوف
بهذه الأمور الثلاثة يدل عَلَى أنها غير حاصلة لأن حَقيقَة الخوف غم يلحق الْإنْسَان لأمر سيقع
ونفي انطلاق اللسان واقع؟ أجيب بأن الْمُرَاد من نفي الانطلاق زيادة الحبسة وهي غير واقعة عَلَى أن
تلك الحبسة التي كانت به قد زالت بدعوته بقوله (واحلل عقدة من لساني) لقوله(قد أوتيت
سؤلك يا مُوسَى). فإن قيل يرد هذا الْجَوَاب الأخير القراءة برفع يضيق ولا ينطلق عطفًا عَلَى أخاف
لأنها تدل عَلَى أن حبسة اللسان واقعة بالْفعْل فتناقض القراءتان من جهة الْمَعْنَى؟ أجيب بما يجمع
القراءتين بأن يحمل القراءة بالرفع عَلَى أن هذا الْقَوْل كائن قبل أن يقول (واحلل عقدة من لساني)
والنصب عَلَى أنه بعده فلا تناقض لاخْتلَاف الزمان، وكذا يرتفع ظَاهر التناقض الحاصل بعد ثبوت
الحبسة المدلول عليه بقراءة الرفع وبين انتفائها المدلول عليه بقراءة النصب بأن يحمل الثبوت عَلَى
أصلها والانتفاء عَلَى ازديادها فلا تناقض لاخْتلَاف الجهة. هذا الذي ذكرنا هُوَ ملخص ما في
الكَشَّاف. فأقول في الْجَوَاب باخْتلَاف الزمان نظر لأن القراءتين ثابتتان سواء كان هذا الْقَوْل قبل
دعاء حل العقدة أو بعده، فإن فرض قبله أشكل انتفاء الحبسة المدلول عليه بقراءة النصب وإن فرض
بعده أشكل بثبوت الحبسة المدلول عليه بقراءة الرفع، فالأولى في رفع التناقض أن يرجع إلَى تغاير
الجهة لا إلَى اخْتلَاف الزمان .